مقالات / الشرق الاوسط

الأنظمة الملكية وتحقيق مفهوم الدولة

لم تكن نهضة الأنظمة الملكية بالخليج سهلة على لفيفٍ من المثقفين العرب. لازمة الانتقاص والازدراء تشهد عليها كتاباتهم، وهي مبثوثة في تضاعيف رسائلهم وقصائدهم ومؤلفاتهم. يعدّون الخليج عبارة عن إمارات وممالك تسبح في بحيراتٍ من النفط من دون القدرة على التدبير السياسي، أو تحقيق المشاركة الشعبية. ويستغربون من الحظوة التي تتمتع بها الأسر المالكة بالخليج، يظنّون أن الناس مغلوبون على أمرهم، وأن الدولة تُخرج الناس لإعلان البيعة وتحقيق الطاعة. وأذكر أن مثقفاً عربياً له حضوره الدائم في الخليج سمعته يهمس لصديقه منتقداً إحدى المدن الخليجية، ومن ثم عرّج على المجتمعات بوصفها مجرد أدوات استهلاكية، وأن عقولهم صلدة لا تلوي إلا على الشره بالشراء والولع بالتبضع، مع أن هذا المثقف مشهور بتشوفه للمكرمات والعطايا من حكام تلك الدول ونافذيها.
من أبرز الأخطاء المجنونة، تواطؤ المثقفين العرب على تقديس الديمقراطية، وتنميط الحرية، ويشترك بذلك المثقف مع الأصولي، كلاهما يطمح إلى نظامٍ ديمقراطي يقدس الصناديق، ويضع للحرية شكلاً واحداً محدداً.
رزحت مجتمعاتٍ عربية تحت سطوة أنظمة جمهورية، وبديمقراطيات وأحزاب وصناديق، لم تؤسس للون حضاري واحد، لم تستطع تحقيق إنجاز يُعوَّل عليه، لم تبنِ بنية تحتية تفاخر بها، ولا أسست لإنسانٍ يمكنه التطور أو المشاركة الفعلية في نهضة العالم.
والمقارنات اليوم مع الأزمة البشرية الحالية تشتعل بين الدول ذات الأنظمة الملكية ومنطقها في التعامل مع شعوبها وبين الأنظمة الغربية، إنما توضح تعددية أشكال الحكم ومشروعيتها. إن الإزعاج الغربي الذي أخذ ذروته في أوائل الألفية عن الديمقراطية، والحرية، والمشاركة الشعبية، إنما يعتدي على سيادة الأنظمة الحاكمة وأشكالها المرتضاة من الناس.
للتجربة الغربية ميزاتها، لكنّ تطبيقها ليس مطّرداً على كل الشعوب، حتى ماكس فيبر في كتابه «البروتستانتية وروح الرأسمالية» يصعّب من إمكانية تحقيق النمط الغربي خارج أوروبا. النظام الملكي في الخليج لا يهمّش التعاقد الاجتماعي بين الدولة والإنسان، ولكنّ تبويب هذه العلاقة وترتيبها يأتيان ضمن صيغة مختلفة عن الأداتية الديمقراطية.
الأسر الحاكمة هنا لها جذرها الاجتماعي، وحيثيتها التاريخية، ولها مشروعيتها السياسية. لنقرأ الموقف الاجتماعي حين فتح الملك عبد العزيز الرياض معلناً بدء الدولة السعودية الثالثة، مستأنفاً حكم الأجداد فاهتزت الأرض ورَبَت، واستبشر الناس، وتطوّرت الحياة الاقتصادية.
أقرب الأمثلة بين يديَّ لتعليم من لا يفقه بتاريخ الخليج ما ذكره الباحث محمد السيف في السيرة المكتوبة عن الوزير السعودي الأسبق عبد الله الطريقي «صخور النفط ورمال السياسة»: «في أثناء تنقل حمود الطريقي (والد الوزير) ما بين نجد والكويت، وفي سنة من السنوات، نمى إلى سمعه تلك الأخبار التي ترددت وتناقلها أهل نجد مسرورين فرحين، وهي أن الأمير الشاب عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، قد استرد الرياض، التي كانت ملكاً لآبائه وأجداده مع كوكبة من رجاله، الذين انطلقوا من الكويت، وحطوا في الرياض في ليلة ليلاء من ليالي نجد الباردة النسمات، في يناير (كانون الثاني) من عام 1902 الموافق 15 شوال 1319 وكان لهذا الحدث أثره السياسي والفكري والاقتصادي على أهل نجد، ففي الأعوام التالية لهذا الحدث انتعشت التجارة وازدهرت بين الكويت ونجد، وأمنت السبل والطرق، فساعد ذلك في وتيرة النقل التجاري بين مدن العراق والكويت والرياض. انتظمت القوافل وتعانقت رقاب الإبل العربية، في ذلك الطريق التجاري الطويل». (ص: 29).
ما من نمط ثابت للحكم، لكل مجتمعٍ هيئته التي ينتج على أساسها حكمه، والأنظمة الملكية أثبتت مع تقادم السنين أنها حققت أنجح بنية تحتية في المنطقة، وركبت نظامها بشكلٍ يستوعب التقاليد الأصيلة المفيدة، والحميد الذي أنتجته الحضارات الإنسانية كلها، من هنا برعت الدول في تحقيق مستوى تعليمٍ عالٍ، وإدارة حكيمة لإدارة الأزمات، ومن الضروري أن يتوقف كل من يلقي المحاضرات على الخليج والالتفات إلى ما يعتور دولهم من ثغرات واضطراباتٍ وتخبطات.
الديمقراطية ليست شرطاً لتحقيق مفهوم الدولة، ونظامها لا يحقق العدالة بالضرورة، والحرية قد تتحول إلى شعار سياسي عدواني، لذلك فإن من الواجب نزع القداسة عن كل تلك الشعارات.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا