مقالات / عكاظ

ما راح تفرق!

بِتُ أجهل منذ متى وعدتكم بأن لا أكتب لكم عن الضياع من جديد؟ دعوني أحنث بوعدي هذا الصباح! فما أفعله حتى الآن هو الضياع بعينيه، ففي الصباح آكل وأشرب وأستريح وأحب عشرة ورود، وقرنفلة، وأغني إن أشتقت إلى الكلام، وأنفخ لهاثي بيدي حتى أتدفأ، وأنظر إلى وجهي على صفحات مياه الطرق، أرى فيها شعري الأبيض فأحتفل بأنني صرت حكيما، وأنطق بحكم عديدة، وأخاطب النهر قبالي.. أوقظني عندما تجيء السفن! الشعر الأبيض يبدل السريرة، يواجهنا بالواقع ليفضح ما غزلنا من وهم عبر السنين، في المساء أجر خطواتي كعادتي معي على حواف الشارع الطويل المغطى بالثلج وأضواء النيون، وأحدق في الثريات الخضراء والحمراء التي تسربلت بالنور، كنت حائراً في أي نجمة من الثريات تختفي هي، هاتفتني صديقة حميمة افتقدت أذني صوتها الصافي كالتأمل، كنت أنتظر كل شيء إلا هاتفها! كنت نائماً لا أعلم لماذا أيقظتني؟ سعيداً كنت بصوتها، كما في أيام الانتظار، قلت لها ما دمتِ جئتِ مع الفجر، لماذا تحاولين الرحيل قبل أن يعم الضياء، السواد ما زال يملأ الكون هنا فلماذا الاختصار؟ ثرثري يا سيدتي كي نملأ بقايا السواد بضيائنا، وثرثرنا وحتى اختفى صوتها الجميل، ويدي تنظر بعيني إلى فراغ السماعة منها! في رأس السنة ثلاثتنا وحيدون، أنا والرصيف ونجمة، قبع كل منا أمام جداره يحكي حكاية المساء، للناعسين على الرصيف علهم يرقدون، بدأت حكاية كل منا بعد أن أغلقت أبواب الدكاكين، وغدت أبوابها وسائد مريحة لمن لا دار لهم، نام كل شيء غير عصا (بابا نويل) التي استمرت تدق الرصيف ولحيته البيضاء تضيء الطريق وتسهر مع النيون، انصرف كل منا يحكي قصته أمام الجدار، كان الرصيف قادراً على السهر، فقد تعود على رؤية من يغدو ويروح وتأمل مواعيد الغرام الطائشة في نهاية وبداية كل عام، أما النجمة فكانت لاهية تتبرج وتزهو بحسنها وتمارس سرد حكايتها الأزلية بدلال، وبحثت عن من يسمعني، ولم أجد سوى عيون نائمة على الريش، وتكومت على الرصيف كمتاع في زاوية البيت حتى جردني الحنين من أحلامي، كان الساهرون يدخلون ويختفون، وأنا معلق! سمعت صوتاً تعودت سماعه يقول لي من الداخل، أأنت الفارس العاشق من لا يحلو لك الصهيل إلا في الشتاء؟ وتوقف شيء في حلقي، يعيق النطق كأني مزمع على النحيب، لا أنا ليس ذلك العاشق، بل أنا الذي بعثرتيه هنا على الأرض، لتدهس قلبه حوافر الخيول وأحذية الناس، وهممت بالدخول!! وأغلق أحدهم الباب، وأضاءت الشمس، واغتصب مني آخر سواد في الليل، وكان يا مكان.. كان هناك عام.. ووجه جميل.. وشتاء ونهار.. وأحبة مضوا!

* كاتب سعودي

[email protected]


اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا