الارشيف / مقالات / عكاظ

المعركة الكبرى من أجل التنمية

كل الخطوات والمشاريع العملاقة المستقبلية وكل تحديات التنمية لا يمكن تجاوزها دون القضاء على الفساد بمختلف مظاهره، لا عن طريق الحملات والتوعية الموسمية المؤقتة وإنما من خلال بناء مؤسسات وتنظيمات مستمرة وذات منظومات تمكنها من العمل المتواصل لمواجهة هذا التحدي الكبير.

الإجراءات التنظيمية الجديدة التي عرفتها السعودية في الأعوام الخمسة الماضية لم تكن مسبوقة، ولم يتوقع كثيرون أن يتم إنجازها بهذا المستوى من السرعة والجودة، ولكي تؤدي فاعليتها بشكل كامل لا بد من حمايتها من الفساد بمختلف مستوياته وأشكاله باعتباره أكبر تحديات التنمية.

والتشكيل الأخير الذي أعاد بناء منظومة الرقابة والمحاسبة ومواجهة الفساد سيمثل الضامن الأبرز لإنجاح مختلف مشاريع المستقبل وتحولاته.

لقد تسبب الفساد سابقا في خلخلة الواقع الاستثماري الاقتصادي ومجتمع الأعمال، وأدى إلى هيمنة أنماط اقتصادية تقليدية كالعقارات والأراضي والإنشاءات وغيرها التي لا تحمل كثيرا من الابتكار والإبداع وتعتمد كثيرا على المحسوبيات، بل وأسس ذلك لواقع اقتصادي لا يعكس على الإطلاق القوة الاقتصادية للمملكة، ولم يكن يحمل أية آفاق وفضاءات جديدة يمكن أن تستوعب جيلا جديدا يدخل إلى مجتمع الأعمال ويسهم في تنميته بالإبداعات والأفكار الجديدة.

وبينما يتحول العالم نحو اقتصاد جديد وثورات معرفية اتصالية متعددة كان لا بد من بناء واقع تنموي جديد يواكب كل ذلك ويفتح آفاقا جديدة لأنشطة واستثمارات تعتمد الابتكار والتنوع والإبداع، الأمر الذي لا يمكن أن يتحقق مع وجود الفساد وغياب الرقابة.

شهدت الأعوام الخمسة الماضية حضورا مبهراً للشباب السعودي في نشاطات استثمارية جديدة، وفي الواقع لا بد من التوقف عند التحول الكبير جدا الذي قادته وزارة التجارة والاستثمار ليس في تطوير القطاع إنما وبلا مبالغة في بناء القطاع من جديد وتحقيق تحول ضخم في تسهيل الأعمال وتسهيل ممارستها والخروج من التعقيدات والأنظمة السابقة التي كانت تعيق كثيرا من الاستثمارات ناهيك عن الاستثمارات القائمة على الإبداع والابتكار والأفكار الجديدة.

لقد كانت التعقيدات التنظيمية التي تحيط بممارسة كثير من الأنشطة التجارية مدخلا سهلا وكبيرا للفساد والفاسدين، ودائما الأنظمة المعقدة هي بضاعة الفساد وسوقه الذي يدافع عنه، وطالما تعثرت بعض المشاريع التنظيمية التطويرية لأن تنظيمها كان سيحد من تلك الاستفادة.

تنظيمات وزارة التجارة حولت الإجراءات اللازمة لإطلاق أي نشاط تجاري مسألة سهلة ويسيرة للغاية وبإجراءات تتجاوز في تطورها كثيرا من التجارب الإقليمية والعالمية في مجال تطوير وتسهيل الأعمال، فانطلق أبناء وبنات هذا الوطن إبداعا وابتكاراً وتم تدعيم وبناء المؤسسات الداعمة وظهرت استثمارات جديدة تقوم على الحيوية والأفكار الجديدة، وتعكس قوة وتنوع وحيوية المجتمع واقتصاده، وهذا الواقع الجديد لم يكن له ليتحقق لولا مواجهة الاقتصاد التقليدي المعقد الذي ينتج الفساد ويستقوي به لمواجهة التغيير.

طالما كانت مواجهة الفساد بسيطة لا تحمل الأدوات الكبرى التي تساعدها على تأسيس منظومات كاملة لمواجهة الفساد وطغت عليها في بعض المراحل لغة وعظية بسيطة لا تؤثر في أحد ولا تغير في الواقع. ولأننا نتحرك اليوم بشكل غير مسبوق وواضح ونواجه كل التحديات لنصنع مستقبلا مختلفا، كان لا بد من العمل على تنظيمات وإجراءات تجعل الفساد جزءا من الماضي وتتجاوز كل آثاره المدمرة للاقتصاد والتنمية.

هذا واقع سعودي لا مثيل له وهذه إجراءات تفتح كل يوم أبوابا جديدة نحو المستقبل والتنمية والمساواة وتكافؤ الفرص والانتقال إلى اقتصاد جديد ومجتمع جديد كذلك.

* كاتب سعودي

[email protected]


اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا