مقالات / الشرق الاوسط

نحو إدارة عربية شاملة لإدارة الحكم والموارد

  • 1/2
  • 2/2

الثلاثاء - 6 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 03 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [14980]

*وزير الخارجية الأردني الأسبق

شهدت الموجة الأولى من الثورات العربية احتجاجات واسعة في ثمانية بلدان عربية تباينت نتائجها بشكل كبير. ففي سوريا واليمن وليبيا، انتهت هذه الثورات إلى حروب أهلية لا تزال مستعرة، وفي دول أخرى كالمغرب والأردن، أدت إلى إصلاحات مجتزأة لم تؤثر جذرياً في بناء المؤسسات أو تحقيق التوازن بينها، بينما أدت في دول أخرى إلى استعادة قوى الوضع القائم لكامل سيطرتها على صنع القرار؛ بل إلى مزيد من السلطوية عما كان الحال عليه سابقاً.
وحدها تونس استطاعت أن تشق طريقاً مختلفاً، بدأ في عقد اجتماعي جديد يحقق التوازن بين السلطات ويضمن الحقوق الفردية والجماعية للناس، ويضمن عدم تغول أي مكون على المكونات الأخرى في المجتمع. ولكن تحقيق الديمقراطية في تونس لم يؤدِّ بعد إلى حل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة التي تواجه البلاد.
ولدى انحسار الموجة الأولى في الأقطار العربية التي لم ترغب شعوبها في أن تصل بها الحال إلى ما وصلت إليه في سوريا واليمن وليبيا، تم ترويج استنتاجات خاطئة من قبل كثير من الدول العربية تجنباً للحديث عن «الفيل الكبير في الغرفة»، كما يقول المثل الأجنبي، وهو أن العالم العربي تنقصه الأدوات الحديثة لإدارة الموارد، بدءاً من مفاهيم تعلي قيم المواطنة المتساوية، والحقوق الفردية والجماعية، واحترام التعددية في الفكر والرأي والدين والجندر، وانتهاء ببناء مؤسسات راسخة تحمي هذه القيم، وتضمن عدم تغول فئة على أخرى، وتحقق التنمية المستدامة المبنية على الكفاءة والإنتاجية والعدالة والمساواة في الفرص.
وهكذا تم طرح مقولة إن هذه الثورات جاءت نتيجة لمؤامرة أو مؤامرات خارجية، وذلك بناء على التدخلات الخارجية في ليبيا وسوريا واليمن، والتي جاءت بعد أن ثارت شعوب هذه البلدان بشكل سلمي تام ضد السلطوية والفساد وغياب الفرص والعدالة الاجتماعية. ولم تأت هذه التدخلات إلا بعد العنف الواضح والقتل العشوائي ضد المدنيين الذي مارسته سلطات هذه البلاد ضد شعوبها. كما تم تسويق استنتاج آخر مفاده أن ما حصل في هذه البلدان ما هو إلا استثناء يتعلق بظروف خاصة بها، ولا يجوز تعميمه على المنطقة بأسرها.
ولا تزال مفاهيم الديمقراطية، أو لنقل بحد أدنى سيادة القانون على الجميع، وتوسيع قاعدة صنع القرار، والمحاربة المؤسسية للفساد، مفاهيم إشكالية لدى كثير من الحكومات العربية، فقد تم تجاهلها تماماً وإنكار غيابها، كسبب رئيس لما حدث من ثورات، فتم الاستعاضة عنها إما بتقديم حزم مالية أو بإصلاحات مجتزأة. وتم تكرار الشعار القائل بأن لا بديل عن السلطوية إلا الفوضى أو الإسلام السياسي، وأن هذه الثنائية تحتم على الناس القبول بالوضع القائم؛ لأن الفراغ هو البديل، وليس أدل على ذلك مما حدث في سوريا وليبيا واليمن.
أقنعت هذه الثنائية مجتمعات عدة، بحيث انحسرت الموجة الأولى من الثورات العربية بعد عام 2013، ورجع الناس إلى بيوتهم؛ ليس لأن مشكلاتهم قد حلت أو مطالبهم قد تمت الاستجابة لها؛ لكن بسبب الخوف من الفراغ والمجهول.
كان باستطاعة العالم العربي أن يستوعب الدرس الأساس مما حدث، وهو غياب الحاكمية الرشيدة، السياسية منها كما الاقتصادية؛ لكن شيئاً من هذا لم يحدث إلا بالقدر اليسير، وبقيت الحاجة لتغيير الأطر الرئيسية لإدارة الموارد وبناء المؤسسات الراسخة المطلوبة غائبة عن التفكير الرسمي؛ بل وأدى غياب الناس عن الشارع للإعلان المتسرع بأن الربيع العربي لم يجلب إلا الدمار، وأنه تم دحره إلى غير رجعة.
لم تتم معالجة أي من التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فحسب؛ لكن عاملاً آخر تمت إضافته إلى هذه التحديات بدءاً من عام 2014، وهو انخفاض أسعار النفط تحت خط المائة دولار للبرميل، ربما إلى غير رجعة. فكانت النتيجة المباشرة لذلك بداية انحسار النظام الريعي الذي حكم بعض الدول، المصدرة للنفط كما المستوردة له، وما عناه ذلك من تحديات للأنظمة الاقتصادية والسياسية التي اعتمدت على المصادر المالية الآتية من النفط أساساً لاستدامتها.
يشهد العالم العربي اليوم موجة جديدة من الاحتجاجات في أربع دول عربية، لم تكن جزءاً من الموجة الأولى، وهي الجزائر والسودان والعراق ولبنان، وهي موجة دحرت الحجج السابقة بشكل كبير، فلم يعد من الممكن القول إن «الربيع العربي» قد انتهى، كما لم يعد بالإمكان الزعم أن ما يحدث استثناء أو مؤامرة خارجية، بعد أن طالت الاحتجاجات اثنتي عشرة دولة عربية من أصل اثنتين وعشرين. وتتميز هذه الاحتجاجات عن الموجة الأولى بنضجها السياسي، وإصرارها العنيد على سلمية الطرح، حتى حين جوبهت وتجابه بالعنف.
ولكن أهم ما يميز الموجة الثانية من الاحتجاجات هو رفضها الصارخ لثنائية السلطوية أو الفوضى، فلسان حالها يقول إنها أعطت السلطوية وقتاً كافياً لم تظهر فيه الأخيرة جدية في تغيير نهجها، ولعل الشعار اللبناني «كلن يعني كلن» يلخص لسان حال هذه الاحتجاجات التي باتت تفضل البدء من الصفر على واقعها المغرق في الفساد والبطالة والديون والاستئثار بصنع القرار. وقد أظهرت شعوب هذه البلدان مقدرة على الصمود رغم تعنت السلطة وأحياناً قمعها، ولم تعد تقنعها بدائل تحاول تغليف القديم بحلل براقة. وهكذا لم يقتنع السودانيون بتغيير عمر البشير بمجلس عسكري حتى حصلوا على مطالبهم، ولا يزال الجزائريون يرفضون انتخابات يشرف عليها الجيش ولا يرونها مقنعة لإحداث التغيير، ويدفع العراقيون مئات من الضحايا من دون أن يتركوا الشارع، ويصر اللبنانيون على رفض إعادة تدوير صيغ قديمة تبقي تركيبة الفساد على حالها.
كيف يتم تحويل الاحتجاجات إلى عملية بناء متدرج وجاد لمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ نقطة البداية هي الاعتراف باستنفاد الوسائل السابقة، وعدم قدرتها على إبقاء السلم الأهلي. فقد فقدَ العالم العربي أساليب الترهيب (الأمن الخشن) عام 2011، كما أنه يفقد وسائل الترغيب (القدرات المالية) ابتداء من عام 2014، ولا بد من إدراك أن استدامة السلم الأهلي أصبحت لها متطلبات جديدة تتمثل في توسيع قاعدة صنع القرار وتطبيق القانون على الجميع، واعتماد نظم اقتصادية مستندة إلى الكفاءة والإنتاجية. أما المعادلات القديمة فلم تعد قابلة للاستدامة في القرن الحادي والعشرين.
هناك حاجة ماسة لمراجعة عربية شاملة لإدارة الحكم والموارد، وهي مراجعة ينبغي أن تكون إدماجية تشارك فيها مكونات المجتمع كافة، وتستند إلى أطر فكرية ناجعة. وفي حين أن الفراغ لا ينبغي أن يكون مستحباً من أحد، فإن سبل تجنبه تتمثل بتغيير الأطر القديمة والمشاركة الحقيقية في صنع القرار، فالتغيير أكثر سلاسة وأعظم فائدة حين يأتي عن طريق القناعة وليس بالإكراه.
- وزير الخارجية الأردني الأسبق
- خاص بـ«الشرق الأوسط»

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا