مقالات / عكاظ

عندما يتحول التراث إلى مقدس!

إنه الزمن الممتد مثل خيوط الصوف لا ينتهي أبداً، نهاية الشتاء، الأغصان عارية من الأوراق، تقف عليها العصافير، تتصور أن الأغصان والفروع قد ارتدت عصافيرها بدلا من الأوراق التي تساقطت، أتجه إلى مسجد «الحق» مخيراً لا مسيراً، أقول ذلك وأنا أنظر للقطار في الطرف الآخر من الطريق مسيراً، كتب عليه أن يمشي على قضبان زرعت له سلفاً، أما أنا فمخير لأنني أعشق الشيخ «سليمان» إمام وخطيب هذا المسجد، أصل الشارع، المسجد يقع في مكان ليس ببعيد عن المستشفى الذي كنت أعمل به في شمال كنساس سيتي، الشارع كما هو مازال على حاله، أغلقت بعض المحال التي كانت مزدهرة في ذلك الزمان، تجمعت الأتربة والورق عند أبوابها الصدئة، وفتحت محلات جديدة تعيش في ازدهارها قبل أن ينفض عنها الناس إلى أماكن أخرى بعد فترة قد تطول أو تقصر، ازدادت البيوت شيخوخة، بعض سيارات من عرفت من زملاء أطباء شاخت أيضا وتغير طلاؤها، أرنو إليها وهي متخذة مكانها في المواقف المخصصة للأطباء، يختلف الشيخ «سليمان» كثيرا عما عرفت، فهذا الرجل الذي لونه كأنه قطعة نساها الليل ومضى هارباً أمام النهار الذي جاء قبل نهاره، لا يعتلي المنبر إلا وعلى ثغره ابتسامة معتقة، سلس الحديث، والانتقال من موضوع إلى آخر، لديه دائما ما يضيفه إلى حياتك، بحيث يجعل للحياة معنى، تستمتع بكل دقيقة من خطبته، شجرة ياسمين تعرش على سور القلب، خطبته شطيرة شهية، عباراته مثل الإبر تدغدغ العقل قبل القلب، وكلماته التي يصيغها بنفسه وبإنجليزية راقية مكتوبة بحبر القلب، دائما يبدأ خطبته بقصص طريفة يدخل بها إلى موضوعه الأساسي، هذه الجمعة حدثنا كيف أنه وهو طفل صغير كان يتخيل مروحة السقف لا تعمل بالكهرباء بل إن جيرانه في الطابق الأعلى يتفرغ منهم شخص يلفها بيده طوال الوقت، وكيف أنه كان يسهر الليالي يتخيل أن هناك أرنباً ضخما يسكن القمر وأن لديه إناء يطبخ فيه جزر الأمنيات، ولطالما انتظر ذلك الأرنب، وأن كل ذلك التفكير انتهى منه حالما عرف الحقيقة، وكيف أن الحقيقة للصغير والكبير هي التي تجعلنا نرى الأشياء بحجمها الحقيقي، وتطرق بعد ذلك إلى تعبير جميل أسماه «الصور الملونة للعقل الأبيض» في عالم المغردين في تويتر، وكيف أن هذه الصور غير الحقيقيه والمطروحة بتكرار، تصنع في وجدان المتابع إحساسا بأنه يعيش حياة تنقصها عدالة السماء، وكيف أن تجاوبنا السريع واندفاعنا وراء هذه الصور المضللة وغير الحقيقية بحماس متباكين ومتحسرين ومعذبين أنفسنا نحو العدالة المفقودة، ولينتهي بنا الأمر كي نصبح شجرة تكبر فجأة لتصير غابة ملتوية الفروع، ومن هنا ينتج التخبط في الحياة ونصبح أشخاصا غاضبين حانقين مستائين من حياتنا، جميع خطب الشيخ «سليمان» هي مستمدة من قصص واقعية، لا تغادر المسجد بعض الصلاة إلا وتتذكرها جيدا لأنها ترسخ في أعماق الروح، رجل يعتبر أن مهمته مقدسة، وأن هناك لاتزال في هذا العالم نبتة صغيرة تشق طريقها وسط الأرض الجافة، رجل مطلع أديب مثقف، لا يتردد أن يوصي أحيانا بقراءة كتاب أدبي بحت أو رواية أو مشاهدة فيلم أعجبه، في هذه الخطبة، أشار بسخرية إلى أن الكتاب الذي أوصى لنا بقراءته، أهدي له من صديق كتب عليه إهداء «اعتن بهذا الكتاب وإلا قتلتك» وأشار ضاحكاً إلى أحد المصلين أنه هو من أهداه الكتاب، وأكمل أن لم أظهر الأسبوع القادم فقد عرفتم من هو قاتلي، هذا الرجل لا يتردد أن يتحدث عن تجاربه الخاصة، رجل لديه قدرة عالية على التعبير عن تفاصيل المشاعر والأحاسيس، بارع في ردم تلك المساحة الفارغة بين الكلاسيكية في خطب الجمعة والواقع، في خطبته متعة القول، ودائماً يذكر من يحضر جمعته أنه توجد طريقة واحدة للنظر للحياة، وهي أن الأمور الصعبة لن تبقى أبدا، وأنها إن ازدادت صعوبة فستصبح في المستقبل أسهل، وأن هناك جانبا إيجابيا في كل شيء في حياتنا، ولكننا نفشل أحياناً في رؤيته، وأن ذلك بسبب ضعف إيماننا لا أكثر، لكل ذلك ظلت خطبة الشيخ «سليمان» في كل جمعة، نوبة شجن، نوبة أسى وتحسر، نوبة حزن، نوبة تأمل، نوبة رحيل إلى كهوف الداخل، نوبة خروج من بحار التعاسة، نوبة الرغبة في البكاء، ولكن أين هي دموع العين، وهذا الرجل دائماً يختتم خطبته، بنوبة حبور، ودفق فرح، يجعلك تنظر حولك فلا تجد سوى حقول شديدة الخضرة تبدو وكأنها نزعت من صورة أخذت لجزء من الجنة، دائماً يتحدث عن الحياة قبل الموت، لا الموت قبل الحياة، عن النجاة من العقاب، لا العقاب قبل النجاة، يتحدث عن أن القرآن وحده كلام الله، لكن تفسير أبي بكر وعمر رضي الله عنهما للقرآن هو تراث، والتراث ليس مقدسا، لأنه صناعه إنسانية، بينما النص صناعة ربانية، لذلك فهو مقدس، وأن الأزمة تبدأ عندما يتحول التراث إلى مقدس، وهذه هي بداية مشاكل المسلمين!

* كاتب سعودي

fouad5azab@gmail.com


اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا