الارشيف / مقالات / الشرق الاوسط

«دبنهامز» ليس الأخير

في عام 1778 ميلادي، افتتح «ويليام كلارك» متجراً للأقمشة في شارع «ويغمور» في لندن، وبعد 35 عاماً استثمر «ويليام دبنهام» في هذه المتاجر مشاركاً «كلارك» لتتحول الشركة تدريجياً لاسم «دبنهامز»، وفي عام 1905 بدأت هذه الشركة في شراء عدة مصانع للملابس والاستحواذ على متاجر الجملة لتطرح بعد ذلك في سوق الأسهم في عام 1928. وحتى عام 2015، كانت متاجر «دبنهامز» من أكثر متاجر التجزئة نجاحاً وتحقيقاً للأرباح في بريطانيا، وبلغت قيمتها السوقية 1.2 مليار جنيه إسترليني، إلا أنها بدأت في التهاوي منذ ذلك الحين بأكثر من 80 في المائة من هذه القيمة نهاية الربع الأول من عام 2019. وفي بداية هذا الشهر، انتقلت إدارة الشركة إلى الدائنين، في خطوة أولى إلى إعلان الإفلاس وحماية حقوق الدائنين، وبالطبع لن يحصل المساهمون في الشركة على أي حصة من الأسهم.
هل يبدو هذا المشهد متكرراً؟ نعم هو كذلك، فمنذ بداية عام 2018 خرجت الكثير من شركات التجزئة من السوق بحوادث مشابهة سواء حول العالم أو في بريطانيا تحديداً، ابتداء من «تويز آر أص» و«مابلن» و«بي إتش إس» ليصل عدد من خسروا وظائفهم بسبب إفلاس شركات قطاع التجزئة في بريطانيا أكثر من 85 ألف موظف في عام 2018 وحده. واليوم تصل هذه الموجة إلى «دبنهامز»، الشركة التي يتم تداول أسهمها منذ أكثر من 90 عاماً ويبلغ عمرها أكثر من 200 سنة! ويبلغ عدد متاجرها أكثر من 165 متجراً، ويعمل به أكثر من 25 ألف موظف في بريطانيا وحدها!
والمتأمل في حالة «دبنهامز» يجد الكثير من الكوارث في هذه الشركة لدرجة أن البدء في إجراءات الإفلاس قد تبدو منطقياً، فديون الشركة اليوم تبلغ 620 مليون جنيه إسترليني، أكثر بست مرات من عوائد الشركة! والشركة ملتزمة بعقود إيجارات ملزمة طويلة الأمد بمبلغ يتعدى 4 مليارات جنيه إسترليني. وهو ما جعل الشركة دائماً حبيسة ديونها ومصروفاتها التشغيلية العالية التي تمنعها من الاستثمار في مجالات مهمة منها التحول الرقمي والتنافسية في تصميم الملابس. إضافة إلى ذلك فالشركة تعاني من متاجر تخلو من الزبائن خلال الفترة الماضية، فبينما قدم الكثير من منافسي «دبنهامز» تجربة مختلفة للعملاء من خلال احتواء متاجرهم على مطاعم ومقاهٍ وحتى محلات زينة نسائية، بقيت متاجر «دبنهامز» على الأسلوب التجاري نفسه دون تغيير. وخلال السنوات الأخيرة، زادت مصروفات «دبنهامز» التشغيلية بزيادة إيجارات متاجرها إضافة إلى زيادة الحد الأدنى للأجور في بريطانيا، كل ذلك دون أي زيادة في المبيعات، بل العكس انخفضت المبيعات في السنوات الأخيرة، مما دعا الشركة إلى الاستدانة لتعويض هذه المصرفات حتى بلغ الحال إلى ما هو عليه الآن.
ويبدو أن المصائب تتهاوى على الشركات البريطانية من كل النواحي، فخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أثّر سلباً على الحركة التجارية في بريطانيا مع انسحاب الكثير من الشركات من السوق البريطانية واحتمالية خروج الشركات من السوق الأوروبية الموحدة، والتكلفة التشغيلية لا تزال في ازدياد وكذلك الضرائب الحكومية، والمنافسة مع المتاجر الإلكترونية تبدو في مصلحة التحول الرقمي، والمثير للقلق أن كل هذه الخسائر لقطاع التجزئة وحصّة المتاجر الإلكترونية في بريطانيا لم تزد بعد على 20 في المائة! وهي في زيادة مستمرة بحسب الإحصائيات الربع سنوية، وهو مؤشر على أن الدور قادم على بقية الشركات. والواقع أن الضرر لم يلحق بقطاع التجزئة فحسب، بل لحق هذا الضرر بالمطاعم وأماكن الترفيه كذلك، وهو دليل على أن التجارة الإلكترونية ليست هي الملامة فقط على هذا التغير، بل هو تبدّل سلوك المستهلك نفسه. فالذهاب إلى الأسواق لم يعد هو وسيلة الترفيه لدى الكثير من الناس، واستبدلوا ذلك بالذهاب إلى المقاهي أو بالبقاء في منازلهم وقضاء أوقات الفراغ على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يدلل على أن مفاهيم التجارة بشكل عام بدأت في التغير، وما حدث من تطور خلال العقد الماضي أدى إلى إفلاس شركات عمرها أكثر من قرنين!

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا