الخليج العربي / صحف اليمن / عدن الغد

عام عربي آخر من تناسخ الديكتاتوريات وتقبيل عصا الطاعة ..

مع ان جميعها يعزز ويغذي ديمومة حكمه وسطوته بإنتهاجه لادوات القمع المختلفة والاذرع البوليسية المتعددة التي غالبا ما تؤدي الادوار المطلوبة منها بفاعلية وحرفية عالية تجاه الغرض الذي جاءت من أجله؛ الا ان التاريخ أكد هنا وفي اكثر من مناسبة فضاعة حكم الديكتاتوريات الدينية عن نظيرتها السياسية وكذا تفوق ادواتها التنفيذية في تحقيق الاجندة والاهداف المنطوة بها وبشكل افضل مما تصنعه الاداة السياسية التقليدية..  

ففي حكم الديكتاتور السياسي هنالك القتل والفساد والاقصاء وغيرها ؛لكنك ايضا ستجد في خضم ذلك الهول هامشا شعبيا ملموسا يستنكر تلك الاعمال والجرائم؛ فيما حكم الديكتاتور الديني سيصدر كذلك نفس تلك الفضائع وربما اشد لكن الانكى هنا هو انك لن تجد ذلك الهامش المناهض المستنكر للجرم او المتعاطف والمتعاضد مع الضحية ! أتعلم لماذا؟

السبب ان المبرر الديني الملازم لافعال ديكتاتوريته دائما وابدا يظل اكثر إقناعا وحجة من ذلك المبرر السياسي الاقل تقبلا شعبيا وخاصة في المجتمعات المتدينة او كما يسميها البعض بالمحافظة .
وببساطة شديدة !فإن الجرائم الدينية الواقعة في المجتمعات العربية غالبا لا تجد إنكارا او تنديدا وذلك لإتصالها بالثابت الديني الذي لا مجال فيه للجدل او النقاش، فهي مسلمة وواجبة اي الجرائم الدينية كما انها تعد انتصارا للدين قبل كل شيئ؛ على عكس الجرائم السياسية التي قد تخضع للاستنكار الشعبي باعتبارها عملا دنيويا قابلا للخوض فيه عندما يمثل حسابات خاصة تتعلق برغبات مرتكبيها فحسب ولا حضور هنا للعامل الديني ..

اظن ان الغرب قد فهم جيدا هذا الجزئية الحساسة وكيفية تعاطي المجتمعات العربية والاسلامية معها، فشرعت سريعا انظمته السياسية عبر اجهزتها الاستخباراتية بعيد إنتهاء عهوده الاستعمارية بشكلها التقليدي هناك في إعادة إنتاج واقع الوصاية لها مجددا على مرحلتين !

كالمعتاد كانت البداية بصنع الديكتاتوريات السياسية وتمكينها جيدا من حكم بلدانها بما يضمن مصالح تلك الانظمة الغربية فيها؛ عدا ان شهوة السلطة وجنون العظمة أوعز لتلك الشخوص الديكتاتورية كما يبدو ارتكابها مزيدا من الاعمال الوحشية بحق مناهضيها حتى ان معظمها حول فترة حكمه الى مجرد صراع دراماتيكي ودموي مع الخصوم السياسيين بغية إطالة عمره السلطوي دون الإلتفات الى حاجات البلد ومتطلبات الشعب؛ لذا لاغرابة في الحديث اليوم عن مجتمعات عربية لازال معظم افرادها يقتاتون مخلفات الطعام ويموتون مرضا لافتقارهم قيمة الدواء..

في نهاية المطاف شكلت تراكمات الصراعات السياسية لتلك الانظمة الديكتاتورية حالة من الوعي والفهم السياسي لدى المجتمعات هناك فأضحت الشعوب حينها تتحدث عن ضرورة النهوض والتغيير ومن هنا ولدت الثورات وتناسخت صورها بين البلدان العربية المقموعة ..

وامام التداعيات الواعدة لتلك الانتفاضات والثوارت التي اجتاحت بلدان عربية عدة طالما أتسمت بدكتاتورية حكامها السياسيين كان لابد حينها على أرباب الوصاية الغربية البدء بالمرحلة الثانية ! صناعة الديكتاتورية الدينية بالتوازي مع نظام سياسي هش يسمح للأيدي ذات القفازات الدينية ببسط هيمنتها ونفوذها كاملا على البلد.

وفي الحقيقة لم يكن ليمض وقتا طويلا على مغادرة ديكتاتوريات عربية سياسية عن مشهد السطوة والحكم حتى يحل محلها فعليا ديكتاتوريات دينية ودائما ستلاحظ ان المستفيد الوحيد كان هو الغرب المتغول ولا احد غيره ، وبالفعل لم تكن تكاد تلك الشعوب المنتفضة تستفق من صدمة انتكاسة انتفاضتها او حتى في ان تستعد انفاس ثورتها المجهظة يوما الا على واقع الصفعة من انظمة حكم دينية متسلطة كانت تنتظر دورها لذلك؛ فحتى وان بدت تلك الانظمة او الكيانات الدينية محدودة الجغرافيا لكنها كانت دائما تؤدي نفس الوظيفة لتلك الوجوه السياسية المغادرة سدة الحكم ..

ففي العراق وسوريا وليبيا ومصر وحتى تونس واليمن كان دائما الحضور الديني هو البديل الفعلي بعد رحيل العهد الديكتاتوري السياسي ..
حيث تباين ذلك الحضور الديني ما بين الحضور اليميني المتطرف كتنظيمات القاعدة وداعش والنصرة وغيرها من تلك التنظيمات التي تمكنت بالفعل من حكم مناطق واسعة وبسط نفوذها ونظامها المتشدد، والحضور المعتدل والوسطي لأخرى بدت أقل تشدد حينما تقمصت رداء سياسيا متحررا عن الراديكالية خاصتها، حتى ان البعض اسماها بحركات الاسلام السياسي رغم انها تلتقي كثيرا في منهجيتها ومبادئها مع نظيرتها المتشددة بل انها غالبا ما كانت تتشارك نفس الخلفية الايديولوجية ..

يمكن القول ان إيران وتحت مسمى نظام الجمهورية الاسلامية كانت بالفعل احد اوضح الامثلة لضراوة وفتك الديكتاتورية الدينية عن سابقتها السياسية، فقطعا سيبدو تاريخيا ان حكم شاه ايران كان اقل تسلطا وعدوانية وفسادا من حكم ثورة الخميني؛ لاحظ ان الاول كان حكما سياسيا صرفا فيما الاخير كان ولايزال دينيا برجماتيا بإمتياز ..

اليوم لازالت بلدان عربية عدة تترنح بين الديكتاتورية السياسية المحتضرة والديكتاتورية الدينية المتنامية والطامحة.

النقطة اللافتة في تداخلات وضوضاء هذا المشهد بالمنطقة عامة والتي برزت مؤخرا !
هي بروز الكم الهائل من الوثائق والقرائن التي تؤكد ارتباط معظم ان لم يكن جميع تلك الحركات والكيانات الدينية بعلاقات وثيقة وسرية مع بعضها وتحديدا تلك المتطرفة والمصنفة بالارهابية مع حركات الاسلام السياسي والموسومة بالمعتدلة، ولربما بدأ الحديث اليوم عن جرائم تاريخية كانت نتاجا لعلاقة ظل بين تلك الحركات المتأسلمة ..

هذا الامر بحد ذاته سيدفع بك مجددا للتفكير نحو طبيعة وحقيقة المغزى من ازدهار هذه التشكيلات والديكتاتوريات الدينية وتماثلها في اكثر من قطر عربي وحقيقة انها تتغذى من حبل سري واحد وياتي فكرها ومعتقدها من بطن ورحم واحد ايضا ،فلذا من الطبيعي حينها !
ان يكون ولائهم في الاخير لنفس الابوين؛ فهل نتحدث هنا عن زيجة صهيونية غربية انجبت مولودا مشوها الصقت به زورا هوية مسلم؟ وما ان بلغ الحلم حتى جعلوا منه سنيا واخر شيعيا؟.. لتستمر بعدها دوما حكاية الخنوع العربي اللامنتهي ولعنة "فرق تسد" الأزلية !.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا