الارشيف / الخليج العربي / صحف اليمن / عدن الغد

تتذكر زمانك عبر حيَّى الله ذاك الزمان

  • 1/2
  • 2/2

بعد صلاة المغرب يحين موعد دقات بج بن، وفي هذه الفترة ممنوع الكلام فالوالد على موعد مع الاستماع لنشرة الأخبار، الكل صامت، ومن تحركت شفتاه جاءه صوت يخرسه، هو صوت الوالد المتابع لنشرة الأخبار، بعد انتهاء الأخبار تبدأ الأصوات تتعالى، ونتنفس الصعداء، وتبدأ حكايات الليل، ويا نجم يا سامر، مع اقتراب موعد الاختبارات ترانا وقد التفينا حول الفانوس لنطالع دروسنا، فهذا يكتب، وذاك تراه يذاكر، والآخر يغلف كتابه، وآخر يعد تكليفاً في الرياضيات، عنوانه عشرة أعواد متساوية، ليطبق عليها مع زملائه عملية الجمع، والطرح، ثم نتفرق، وكل واحد منا يذهب للنوم، لنبكر مع أصوات العصافير، فنبدأ يوماً جميلاً، ورائعاً كروعة طفولتنا البريئة، فنذهب لمدارسنا حاملين دفاترنا في حقائبنا المصنوعة من أكياس الدقيق، فنمضي نصف نهارنا بين حصص العلم، ثم نعود محملين بواجباتنا المدرسية، فنكتب ما كُلفنا بكتابته، ونذاكر ما تم إقراره علينا لمذاكرته.

بعد تناول وجبة الغداء كل منا يأخذ كتابه، وتبدأ رحلة المذاكرة، فمن حباه الله براحة من رعي الغنم، أو إجازة من عمل آخر، تراه وقد ذهب في جولة نحو الجبل، أو جلس تحت شجرة، أو طاف على الأسوام، وجليسه في ذلك المكان كتاب، وترانا نخط ما استذكرناه على وجه الأرض، فترانا نكتب، ونمسح على صفحات الأرض، ولا نعود إلا وقد شربنا ما خططنا له، أما من كان نصيبه رعي الغنم فمذاكرته تتخللها وقفات عندما تنفش الغنم في زرع القوم، ويأتي الحساب بعد العودة، فيستعد الطالب الراعي لمشطة، أو مشطتين من عصا الوالد، وهي مسوق معد من شجر الأراك، وله صوت، وصوته يخيفنا أكثر من ألمه.

كانت ملابسنا المدرسية بدلة واحدة من بداية العام حتى نهايته، ونظل نتوارثها حتى تنتهي معالمها، والقلم الرصاص نكتب به حتى يتوارى بين أيدينا، والقلم الحبر نأتي على آخر قطرة فيه، مع عملية تأكد من انتهائه، وذلك من خلال شبه حتى يخرج الهواء بدون حبر، فنحتفظ بغلافه، وكأننا لا نريد مفارقته، فلقد كانت لنا معه حكايات مع النجاح، والتميز، ومن امتلك قلم أبو أربعة ألوان، وكأنه امتلك سيارة آخر موديل، وكانت ثيابنا نظيفة، وحقائبنا مرتبة، وكراساتنا منظمة، ومرتبة، ومكتملة.

لو نقصت علينا درجة بكينا عليها، ولو تقدم علينا زميل في الترتيب بكينا، فكان تنافسنا شريفاً، لم ندر ما الغش، ولم نعرف حيله، ولا طرقه، لو رأينا الأستاذ قد سلك طريقاً سلكنا طريقاً غيره، خوفاً منه، واحتراماً له، وكان النقل إلى الصف الرابع يعتبر تحرراً من الجلوس على الأرض، ففي الصف الرابع نجلس على كرسي طويل، وأمامه طاولة، وعندما نجلس على هذه الكراسي نرى أنفسنا، ولا أكبر مسؤول، وعندما نصل إلى الصف الخامس، نعود من المدرسة وكأننا قادمون من أوروبا، نردد تحية الصباح بالإنجليزية، وتحية المساء كذلك، لقد كانت حياتنا جميلة رغم بساطتها.

كنا نقف في الطابور، والأستاذ يقول: الغياب على جنب، والحفاة على جنب، والملونين على جنب، فرغم صعوبة الحياة إلا أنها كانت جميلة، وتتذكر زمانك عبر حيَّى الله ذاك الزمان، ذاك الزمان الذي سنقف عنده وقفات كثيرة، إن شاء الله.



شاركنا بتعليقك


شروط التعليقات

- جميع التعليقات تخضع للتدقيق.
- الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر سبام
- الرجاء معاملة الآخرين باحترام.
- التعليقات التي تحوي تحريضاً على الطوائف ، الاديان أو هجوم شخصي لن يتم نشرها

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا