الارشيف / ثقافة وفن / الوفد

الأسئلة المصيرية فى أفلام مهرجان القاهرة السينمائى!

تتفرد السينما الجميلة بقدرتها الدائمة على طرح الأسئلة، فتستمر فى طرح ما يتعلق بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، وترتبط هذه الأسئلة بصميم وجودنا، فالمبدع فيها يتلهف لمعرفة أسئلة الوجود الجوهرية؛ وبإبداعه يحاول الإجابة عن هذه الأسئلة؛ وكأنها الغاية النهائية لسعى السينما الدائب نحو الحقيقة. ويحتاج ذلك إلى التقصى بعمق عن الماضى والحاضر والمستقبل؛ ورغم عدم وصول السينمائى مطلقاً إلى أطروحة نهائية فى إجابته... وكما فى عبارة ماكبث (إحدى شخصيات مسرحية لشكسبير): ليست الحياة إلا ظلاً يمشى، ممثل مسكين يتبختر ويغضب فى ساعته على مسرحها، ثم بعد ذلك لا يسمع له صوت؛ إنها حكاية مليئة بالصخب والعنف يرويها أحمق ولا تعنى شيئاً.

وفى مهرجان القاهرة السينمائى الدولى هذا العام مجموعة من المبدعين يطرحون أسئلة مختلفة من خلال أعمال هى بالنسبة لهم الإجابة.

ومن تلك الأعمال «مغادرة أفغانستان» Leaving Afghanistan الذى يطرح سؤاله بينما تستعد البلاد لاستعراضها السنوى ليوم النصر، فيثير الفيلم أسئلة غير مريحة عن الحرب السوفيتية فى أفغانستان 1989»؛ وكأنه يريد القول: أعتقد أن مجتمعنا بحاجة إلى البدء فى فتح جراح الحرب؛ سواء أكانت أفغانستان أو الشيشان، ويبدو أنه كما يظهر من ردود الفعل العنيفة من هذا الفيلم أنهم يخشون الحديث عن الحقيقة القائلة إن روسيا لم تكن دائماً الرجل الطيب، وجاء الفيلم فى الذكرى الثلاثين للانسحاب السوفيتى للقوات من أفغانستان التى أودت الحرب التى استمرت تسع سنوات بحياة أكثر من مليون مدنى أفغانى، وأكثر من 14000 جندى سوفيتى.

فى ذلك الوقت، تم الترحيب بقرار الأمين العام للحزب الشيوعى ميخائيل جورباتشوف بسحب الجيش السوفيتى من البلاد باعتباره نهاية طال انتظارها لنزاع دموى، وأدان قرار غزو الكونجرس باعتباره خطأ من قبل الكونجرس، وفى السنوات الأخيرة، سعى بعض السياسيين الروس إلى إعادة صياغة الحرب باعتبارها نجاحاً وطنياً، فى هذا العمل يبدو طرح لونجين للحرب كأنه الإجابة «الأكثر صدقاً» التى شاهدها فى السينما الروسية فى السنوات العشرين الماضية.

وفى فيلم fire will come «النار ستأتى» من إخراج أوليفر لاكس، ومن إنتاج فرنسى وإسبانى ولوكسمبورجى، يكون السؤال ما حقيقة النار التى تضرم بين الحين والآخر وما علاقة حرق الغابات بأنفسنا؛ والإجابة من خلال خروج شخص مهووس بإضرام الحرائق من السجن وعودته إلى بلدته فى غاليثيا الإسبانية، يفوز بجائزة الإسكندر الذهبى بمهرجان تيسالونيكى الدولى للسينما، كما نال بطل الفيلم أمادور أرياس جائزة أفضل ممثل.

قد يتسأل البعض ما أهمية فيلم «جودى» ولماذا حقق كل الإيرادات فى العالم والإجابة تكمن فى أنه تعيدنا إلى حياة أحد مبدعى «ساحر أوز» ذلك الفيلم الموسيقى والكوميدى الدرامى والخيالى الأمريكى من إنتاج شركة مترو جولدوين ماير عام 1939، وهو أنجح وأشهر اقتباس من رواية ساحر أوز العجيب للكاتب ليمان فرانك بوم التى صدرت عام 1900، كل واحد فى العالم وبخاصة من ولد فى القرن العشرين مرتبطة طفولته بالفيلم؛ وخاصة جودى جارلند التى قامت بدور دوروثى جيل، وشارك معها الكلب تيرى بدور توتو، وراى بولجر، جاك هالى، وبه أفضل أغنية «فوق قوس قزح» Over the Rainbow. ومع بث الفيلم على التليفزيون عام 1956 على شبكة سى بى اس تم تقديم هذا الفيلم إلى جمهور أوسع، وأصبح عرضه تقليداً سنوياً، وهو ما جعله أحد أشهر الأفلام فى تاريخ السينما. ووضعته مكتبة الكونجرس فى قائمة أكثر الأفلام مشاهدة على شبكة تليفزيونية، كما أدخلت الفيلم أيضا فى السجل القومى للسينما فى دورته الأولى عام 1989، وذلك للحفاظ عليه لما له من «أهمية ثقافية وتاريخية وجمالية». كما أنه أحد الأفلام القلائل الموجودة على سجل ذاكرة العالم لمنظمة اليونسكو.

ومن خلال فيلم جودى جميعنا ننتظر الإجابة عن أسباب رحيل بطلة

ساحر أوز والأجمل أن الإجابة مقرونة بقرار (رينيه زيلويجر) بتقديم ألبومها المنفرد لأول مرة فى مسيرتها الفنية، حيث ستقوم بغناء بعض الأغانى المشهور لـ(جودى)؛ لنعيش الأحداث فى شتاء 1968، حين تصل المؤدية الأسطورية (جودى جارلاند) إلى (لندن) لأداء سلسلة من الحفلات الموسيقية، التى قد يضحى كثيرون بنزهتهم الفنية للمشاركة فيها.. وهذا بعد مرور ثلاثين عاماً على انطلاقة نجوميتها فى فيلم (ساحر أوز)، فبينما تعد جودى نفسها للحفل، تتصارع مع الإدارة، سحر الموسيقيين، ذكريات طفولتها وأصدقائها ومعجبيها.

أما سؤال Little Joe «جو الصغير» الحاصل على(جائزة أحسن ممثلة فى مهرجان كان)، هو فيلم درامى بريطانى نمساوى لعام 2019 من إخراج جيسيكا هاوزنر يحتاج طرحه منا إلى بضع دقائق فقط ليجعل السؤال مقروناً بالرعب من نبات بسيط؛ وهذا الفيلم سيفعل فى البيوت الزجاجية ما فعلته «Psycho» للاستحمام؛ حيث يبدأ البحث فى مشاتل Planthouse الحيوية فى إنجلترا، حيث أصبح الاحتكاك بين العلم الحديث والبيولوجيا العضوية عند اختراع بطلة الفيلم سلالة هندسية وراثية سميت على اسم ابنها فى سن المراهقة (كيت كونور). وتدعو السلالة بأكملها «ليتل جو»، وفى تناقض صارخ مع الأبوة التى تنجب طفلاً محتالاً، تستمتع بالتحكم الذى تمارسه على طفلها الأخضر الأصغر. إنه هنا أكثر من مجرد زهرة جميلة مع مجموعة من الحمراء المغلقة فى طرف عنقها، وتؤدى رائحته إلى إطلاق الأوكسيتوسين، ما يؤدى بدوره إلى شعور عام بالرفاهية.. لكن ماذا يحدث عندما تنتهك البطلة البروتوكول وتأخذ إحدى العينات إلى شقتها؛ الإجابة ستكون أكثر رعباً مما تتوقع.

أما بشاعة الإجابات عن الأسئلة المطروحة باستخدام المراهقين فى الحروب؛ تراه بوضوح فى monos مونوس الفيلم الدرامى للحرب عام 2019 تم إنتاجه عالمياً من إخراج أليخاندرو لاندز، من تأليف لاندز وأليكسيس دوس سانتوس، وإنتاج فيرناندو إبستين وسانتياجو زاباتا وكريستينا لاندز ولاندز نفسه، وتبدأ الأسئلة فى الفيلم بمشاهد تظهر مجموعة من المراهقين المجندين فى جماعة حرب عصابات تسمى «المنظمة»، التى من غير المعروف ما هى القضية التى تحارب من أجلها أو البلد الذى تحارب فيه، كما لا يعرف أى شىء عن المجندين أنفسهم سوى أنهم فصيل مقاتل يدعى «قرود»، ويلقبون بألقاب وليس بأسمائهم الشخصية، وحرص «لاندز» وكاتب السيناريو المشارك معه المخرج الأرجنتينى «ألكسيس دوس سانتوس» فى المشاهد التمهيدية، أن يقدما صوراً موجزة عن براءة عالم المراهقين المجندين الذين يمزجون الجد باللهو ويختلط لديهم اللعب بالقتال والتدريب الصارم، وتقمع روح الشباب المتمرد لديهم بنظام من الطاعة العمياء للأوامر.

أما أسئلة المبدع بيدرو كوستا فهى من خلال دراما مظلمة يائسة تستند إلى تجارب الحياة الحقيقية للنجمة فيتالينا فاريلا، إذا كان الطرح فى بعض الأحيان تحدياً للمشاهد؛ فقصتها القاتمة بدأت قبل ثلاثين عاماً، مع بداية حياتها الزوجية فى الرأس الأخضر، واستقرت أخيراً فى المنزل الذى بنته، من الطوب، مع زوجها، وغادر زوجها، مثل كثيرين، إفريقيا للحصول على فرص أفضل فى الخارج، لكنها أقسمت لنفسها كذباً أنه بمجرد أن يستقر فى البرتغال، كان سيرسل لها، ولكنه لم يفعل؛ وبعد مرور 30 عاماً، اشترت فاريلا أخيراً تذكرة الطائرة الخاصة بها إلى لشبونة؛ ليس لتوبيخ زوجها، ولكن لدفنه؛ أسئلة المخرج فى هذا

العمل قد تكون تكملة بعد فيلمه عام 2014 Horse Money، حيث يواصل المخرج بيدرو كوستا تجاربه فى التوثيق، حيث يحكى قصة حزينة؛ على الرغم من أن هذا سيسعد عشاق أعمال الفنان البرتغالى، فقد فاز الفيلم بالفعل بجائزة الفهد الذهبى فى لوكارنو– فمن المرجح أن تجعله بساطته اللطيفة والموضوع القاتم من الصعب بيعها ولو لإثارة الجماهير.

وفى فيلم «إن شئت كما فى السماء» للمخرج إيليا سليمان الأسئلة كثيرة ومتعددة؛ ويغلب عليه المتعة الشخصية للمخرج الذى يميل إلى استعراض حياته مقترنة بما يحدث فى فلسطين؛ فهو يصرح دوماً بأن ما يهمه هو التركيز على إمكانيات لا نهائية للمتعة فى الفيلم، لافتاً إلى أنه يرى «فى المتعة إصراراً على الوجود الفلسطينى»، وأنه «من المهم أن تمنح الصورة المشاهد مساحة ما لاستنباط نوع من الحياة، والمتعة هى أساس الصورة، وهى بالنسبة لى سياسة وطريقة حياة»، ويعود ويشدد «لو قدمت لى رواية ذات يوم شعرت بهذا الاتصال معها ليس لدى أى تحفظ، بل على العكس، سأخوض هذه التجربة، لكن إلى الآن لم يحدث أن تعثرت بهذه الرواية». لذلك يستكمل الفيلم سرد سيرة المخرج وسيرة عائلته والوقائع التاريخية التى طرأت على مدينته فيما قدمه فى فيلم قبل الأخير مستعرضاً العام 1948 مع حدوث نكبة فلسطين وقيام دولة إسرائيل. عندما اعتمد سرده على يوميات والده التى وثق فيها أيام الحرب وما تلاها من أحداث؛ وقبل ذلك فى فيلمه الذى لفت الأنظار إليه «أيادى إلهية»

أما «تيرنس ماليك» فقادم بأسئلته لمهرجان القاهرة السينمائى فى دورته 41 برائعته التى قدمها فى مهرجان كان فى دورته الأخيرة «حياة خفية» A Hidden Life من خلال رحالة متجرد من العالم المادى، ويسعى إلى الاتصال بعالم مغاير لعالمنا، به الكثير من التفسيرات التجريبية عالم من «يوتوبيا» أسطورى له ألغازه الخالدة؛ بتنويعاته البصرية المذهلة؛ فلا يخلو مشهد من أفلامه من أثر الضوء فى التكوين البصرى؛ والمزج بين الضوء الطبيعى والصناعى مع مصاحبة الظل. وحركة الكاميرا بحيث تواصل كل لقطة الحركة فى نفس الاتجاه الذى انتهت إليه اللقطة السابقة.

وللمخرج الصينى وانج شياو شواى أطروحات وأسئلة مهمة فى عمله «غبت طويلاً يا ابنى» وجميعها تهدف إلى مناقشة سياسة الحد من النمو السكانى فى الصين التى تمت من خلال ضوابط صارمة؛ على مدار 36 عاماً (1979-2016)، يزعم أنها منعت أكثر من 400 مليون مولود، طارحاً عواقبه على نطاق واسع وطويل الأمد. كنتيجة مباشرة، أصبح لدى الصين الآن شيخوخة سريعة فى السكان، وهناك تأثير غير مباشر يتمثل فى اختلال التوازن بين الجنسين بشكل ساحق، حيث حاولت العائلات الإجهاض الانتقائى، يحسب الديموجرافيون أن السياسة قد تستغرق 50 عاماً أخرى للاسترجاع، والفيلم يسير فى نفس نهج الفيلم الوثائقى الذى عرض فى مهرجان الجونة بدورته الثالثة فيلم (أمة الطفل الواحد)؛ بما فيه من أحداث صادمة؛ وحكايات لا يمكن أن تتحملها المشاعر الإنسانية؛ ويرفضها العقل؛ ولكنها للأسف حقيقية؛ لذلك فاز الفيلم المأخوذ عنها بجائزة لجنة التحكيم الكبرى للفيلم الوثائقى فى الدورة الـ35 لمهرجان سندانس السينمائى، والفيلم من إخراج نانفو وانج وجيالينج جانج، وهو إنتاج مشترك بين الصين، والولايات المتحدة الأمريكية. والفيلم ينقلك إلى سنوات ماضية حيث تدور الأحداث حول عائلة صينية تعيش فى حقبة أمة الطفل الواحد، حينما ألزمت الحكومة العائلات بتقليل الكثافة السكانية عن طريق إنجاب طفل واحد فقط لكل عائلة؛ لذلك كانت العديد من الأسر وخاصة فى الريف، تتخلص من الطفل إذا كان أنثى، بإلقائه فى السوق، وفى الغالب لا يقوم أحد بأخذه إلى أن يموت؛ أو يتم إجهاض النساء ولو فى الشهور الأخيرة، وغالباً يكون الطفل حياً عندما يقذفون به فى القمامة، ويكتب على الكيس الذى يحتويه نفايات طبية.. الفيلم بمثابة تأريخ لسياسة «الطفل الواحد»، والأجيال الصينية التى تشكلت بناءً على هذه التجربة الاجتماعية، من خلال شهادات أمهات، وموظفين رسميين، وآباء، ونشطاء سياسيين، تلك السياسة التى استمرت من 1979 إلى 2015. وكان هدفها الحد من النمو السكانى فى الصين، وقد فُرضت عام 1979، أى بعد عام من الإصلاحات الاقتصادية.

وأخيراً ومن خلال فيلم «عن الأبدية» تطرح الأسئلة الوجودية فى ظل الحصول على (جائزة أحسن مخرج بمهرجان فينيسيا) لروى أندرسون الذى يقول: آمل أن أتمكن عن طريق أفلامى من الإفصاح عن حساسيتنا تجاه بعضنا البعض، وأن أظهر أننا وجودياً مخلوقات فى غاية الضعف، إلى جانب أننا نملك وقتاً ضئيلاً جداً فى حياتنا، فليست هناك نهاية سعيدة لأى منا؛ ولهذا السبب تحديداً علينا أن نكون أكثر مسئولية تجاه ما تبقى لنا من الوقت.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا