أخبار العالم / صحف مصر / المصرى اليوم

باحث مصري من الصين عن «رعب كورونا»: بدأ من سوق سمك.. وووهان مدينة أشباح

اشترك لتصلك أهم الأخبار

محمد بلال، باحث مساعد في مركز بحوث الصحراء، يدرس للحصول على شهادة الدكتوراه في علم النبات الوراثى بالأكاديمية الصينية للعلوم، تحولت حياته من الطموح للعودة إلى الوطن «مصر» حاصلًا على شهادة الدكتوراه، إلى باحث عن الحياة، وسط إعلان الصين عن ظهور فيروس كورونا في المنطقة نفسها، التي يدرس فيها الدكتوراه، وهى «ووهان»، حتى تحولت حياته إلى كابوس في كل دقيقة يعايش فيها مخاوف على حياته من وصول الفيروس إليه مع كل لحظة ينتشر فيها الفيروس.

ومن منطقة «ووهان» الصينية، حاولت «المصرى اليوم» أن تصل إلى «محمد بلال» ليسرد لنا لحظات الرعب من داخل سجن فيروس كورونا، ويرويها- حصريًا- لـ«المصرى اليوم»، قائلًا:

الساعة الثامنة صباحًا ودقائق قليلة.. كالعادة أفتح عينى، ثم أظل لدقيقة أو دقيقتين أنظر على باب الغرفة لأستوعب ما يجرى.. ثم ما إن أتأكد أننى مازلت هنا في هذا العالم أغمض عينىَّ في استسلام، ولا إراديًا، أردد: لا إله إلا الله.. محمد رسول الله. أشعر بدوار في رأسى وصداع خفيف وألم في ظهرى من مرتبة السرير الخشنة.. إنه ما أشعر به نفسه كل صباح.. غريب هذا البلد.. ينامون على مراتب رقيقة لا تتعدى بضع سنتيمترات.. إنهم لا يراعون تلك المنحنيات والبروز في أجسام البشر، ولا تشغلهم متعة النوم بينما تغوص منحنيات الجسم في مرتبة السرير.. النوم عندهم عادة يومية ليست كباقى البشر، الذين يعتبرونه تحقيقًا للرغبة والمتعة في الراحة والاسترخاء.. دقائق سريعة من التفكير في مراتب السرير إلى أن أقرر الاستسلام وأمد يدى لألتقط الموبايل، فهو نافذة العالم كله وملخص علاقتى به.. بلمسة خفيفة على شاشة الموبايل ببصمة الإصبع تضىء الشاشة.. بصمة الإصبع ليست صينية في الواقع، فكل البشر لديهم بصمات، لكن الأهم أن تستغل ما تملكه لا أن تملك ما تجهله.

أووووه الكثير من الرسائل الجديدة على برنامج «الويشات» الصينى من زوجتى في مصر ومن صديقى، الذي يطمئن على صحتى وأخبار «فيسبوك» وإيميل جديد من مجلة علمية وعشرات الرسائل الجديدة على جروبات المصريين ورسالة جديدة باللغة الصينية تحتاج للترجمة.. أفتح «الويشات» أولًا لأجد زوجتى الحبيبة قد أرسلت إلىَّ رسائل مليئة بالحب وبعض القلوب الحمراء وملصقًا رومانسيًا، وتصبح على خير يا حياتى.. زوجتى تحبنى كثيرًا، وفى الواقع ربما أنا أحبها أكثر.. ما هذه الرسالة التي وردت للتو وقطعت هذا الطيف الرومانسى الجميل.. رسالة من أستاذى المشرف الصينى على جروب المعمل باللغة الصينية.. ترجمتها إلى الإنجليزية لأجدها رسالة بالتنبيه على الطلبة الأجانب بعدم الخروج من المعهد، واتخاذ الاحتياطات الصحية واتباع التعليمات، وضرورة الحفاظ على مخزون الكحول الموجود في المعمل.. ثم يختم رسالته بالجملة الصينية الأشهر حاليًا والتى تعنى بالعامية المصرية «شدِّى حيلك يا ووهان».

ما هذا؟! ماذا يجرى؟!.. لحظات أقل من الثوانى تمر ليستعيد عقلى وإدراكى فهم الموقف ويعيد ترتيب المشهد من البداية، فنحن نعيش أيامًا صعبة في مواجهة داء لعين، وأتذكر أننا في قلب أزمة من أخطر الأزمات التي تمر على البشرية.. إننا في قلب أزمة فيروس كورونا.

كانت أوجاع الظهر وآلام الرأس والرقبة بسبب البقاء طوال اليوم أمام شاشة الموبايل أو اللاب توب دون حركة لفترات طويلة حتى دون التفكير في الأكل والشرب.. نحن في قلب الأزمة.. لا يزال إدراكى يحاول استيعاب أننا سنبدأ يومًا جديدًا لنعيش في قلب التوتر والقلق ونواجه «فيروس» قاتلًا لا يرحم مَن يصيبه ولم يتحدد له دواء بعد.. لسان حالى يسأل في ترقب: ما هذه الأيام الصعبة القاسية المليئة بالمذعورين الخائفين؟ وما هذا الحظ العاثر الذي وضع تلك المدينة الرائعة في قلب المعاناة لتصبح مدينة موبوءة ومنكوبة بامتياز؟!!

بدأت الحكاية عندما أتى أحد العمال، محمولًا، إلى مستشفى للصدر، في منطقة خانكو في غرب ووهان، يعانى سعالًا «كحة» شديدة، وتشخيصه كمريض التهاب رئوى، لكن لم تسجل تلك الإجراءات أي تحسن ملحوظ في الحالة، ليتم استدعاء الطبيب لينغ وودونغ، المشهور في هذا المجال، ذى الخبرة الطويلة في علاج أمراض الالتهاب الرئوى الفيروسى، ليُفاجأ الطبيب «وودونغ» بالحالة التي أمامه.. إنها حالة استثنائية، وربما تكون أخطر مما يظن فريقه الطبى، أمر بأخذ عينات من دم العامل ولعابه وإرسالها فورًا لتحليلها وإفادته بالنتيجة في أسرع وقت ممكن..

في هذا الوقت سجل المستشفى نفسه دخول حالتين، يُشتبه في إصابتهما أيضًا بالأعراض الغريبة نفسها، وأيضًا لاثنين من العمال في سوق خانكو.. تطلع الطبيب «د. وودونغ» على سجلات الحالات الثلاث ليكتشف الصدمة التي يعرفها هو والفريق الطبى حوله، وهى أنهم أمام كارثة حقيقية، وأمر الطبيب بإرسال عينات من المريضين الجديدين لتحليلها وطلب النتيجة في أسرع وقت ممكن.. في أقل من يوم واحد وصلت نتيجة التحليل الفيروسى بأن هذا النوع فيروسى.

رفع الطبيب «وودونغ» تقريرًا عاجلًا إلى بكين، ينوه فيه بأنهم ربما يواجهون في «ووهان» كارثة حقيقية، ولديه اعتقاد بأنه يجب التحرك فورًا، وبأقصى سرعة ممكنة، لاحتواء الموقف، فلديه الآن ثلاث حالات مصابة بالتهاب رئوى، فيروسى، غير معروف، والأعراض لا تستجيب لجميع أنواع الرعاية الدوائية والعلاجية..

قبل أن يصل خطابه إلى العاصمة، كانت أعداد العمال قد وصلت إلى ثمانية عمال، جميعهم يعملون في منطقة بيع الأسماك في «خانكو».. تنبهت بكين للأمر، وتوجهت فرق مكافحة الفيروسات التابعة للهيئة الوطنية للصحة العامة ومكافحة الفيروسات إلى الموقع في سوق خانكو، وتم إغلاق المكان، والتحفظ على كل سنتيمتر، وأخذ عينات لتحليلها ومحاولة معرفة مصدر العدوى..

أعداد المصابين تتزايد، كانت الصدمة كبيرة على الجميع.. الموقف خطير وحرج، ويجب وضع خطة عاجلة لاحتواء الموقف.. ظهرت أولى بوادر الكارثة.. تأكدت حالات إصابة بالفيروس في عدد من الدول اشتركت جميعها في زيارة سوق الأسماك في «خانكو» في مدينة ووهان الصينية..

يكافح الأبطال من فرق الرعاية الصحية ومكافحة الفيروسات في معركة ضارية في مستشفيات ووهان من أجل البقاء.. الصين شرعت في بناء مستشفى ميدانى، يسع 1000 سرير، في وقت قياسى أقل من 10 أيام، لحصار الفيروس وتقليل تفشِّيه.. الطبيب الشهير «د. وودونغ» ومجموعة كبيرة من رفاقه أصابهم الفيروس الخبيث.. أصبح الأسد فريسة، بعد أن أمضى حياته يفترس الفيروسات الرئوية ويهب الحياة من جديد لمرضاه.. رحل الطبيب «وودونغ» وهو يقاتل في ميدان رعاية المرضى في مواجهة «كورونا» المتحور الجديد.. سينتهى الجميع من الأزمة، وستظل بطولة الفرق الطبية الصينية تتوارثها الأجيال كقصة كفاح مع فيروس لعين هدد العالم كله وأعلن الحرب من «ووهان». هذه هي «ووهان» حتى نهاية العام الماضى 2019.. في أقل من شهر، «ووهان» أصبح يتم تداول اسمها على أنها مدينة الأشباح ومدينة الموت ومدينة الخوف..

اتخذت الحكومة الصينية إجراءات صارمة بإيقاف جميع أشكال الحركة في المدينة المكلومة.. إغلاق المطارات ومحطات القطار وإيقاف جميع وسائل المواصلات من أتوبيسات النقل العام والمترو والترام والتاكسى، وحتى جميع سيارات النقل والمركبات الخاصة والعامة والتجارية، وإعلان حالة الطوارئ القصوى في المدينة.. وكانت هذه هي بداية تفجُّر حالة القلق المستمرة على مدار الأيام الماضية وحتى لحظة كتابة هذا المقال.

الآن.. يعيش أبناء الجاليات الأجنبية، وفى القلب منهم الجالية المصرية، حالة الترقب والقلق نفسها.. الجالية المصرية متنوعة في تكوينها، فالبعض لديه أسرته زوجته وأطفاله، والبعض لم يتعرض لمثل هذه الأزمات، فيعيش حالة الرعب والهلع بشكل مخيف.. يطالبون السفارة بسرعة إجلائهم إلى الوطن بعيدًا عن الرعب من الفيروس القاتل..

حالة الخوف ليست فقط من الفيروس، وإنما أيضًا من الوصول إلى أزمة غذاء أو دواء أو غيرهما من الأزمات الطارئة التي قد يضطر إليها البعض، لا قدَّر الله.. البعض يريد الإجلاء الآمن دون فوضى قد تتسبب في كارثة أكبر بإصابة أحدنا بالفيروس، ومن ثَمَّ نقله إلى مصر، وستكون هذه هي الكارثة الكبرى.. السفارة تتحرك وفق صلاحياتها، وفى المجال الذي يسمح به الجانب الصينى فقط..

السفارة المصرية لديها خطة واضحة وتفصيلية في حالة السماح لها بإجلاء الرعايا.. السفير المصرى في بكين، د. محمد البدرى، تحدث إلى الكثيرين تليفونيًا، وتحدث معى شخصيًا لما يقارب الدقائق العشر، وكان صريحًا جدًا، وتقبَّل كل تخوفاتنا ومطالباتنا..

الجامعات والمعاهد المختلفة قامت بإجراءات لتخفيف معاناة الجاليات والطلبة والأجانب في المعاهد والجامعات بتوفير مصادر إمدادات غذائية مثل فتح بعض المحال التجارية داخل الحرم الجامعى أو توفير المتطلبات الأساسية للطعام دون مقابل مادى أو بمقابل، وفرضت نظامًا صارمًا على الدخول والخروج من أماكن الإقامة والتسجيل في سجلات تشمل سبب الخروج من المبانى السكنية وأرقام التليفونات، وكذلك قياس درجة حرارة جميع الدارسين الأجانب، يوميًا، مرتين على الأقل، والتشديد على إجراءات السلامة والحفاظ على الصحة.

اليوم، استيقظت على إضاءة عالية في الغرفة.. ما هذا؟!.. إنها الشمس.. الشمس الساطعة لأول مرة في سماء «ووهان» دون سحب تغطيها أو أمطار أو صقيع دفعتنى إلى أمل بدخول هواء ربما لا يكون ملوثًا بهذا القاتل اللعين فيروس كورونا السابع.. إنه الأمل الذي نفتقده لأيام مضت ورسالة طمأنة بأن كل شىء سيكون على ما يُرام.

سطوع الشمس فرصة للتريض والمشى قليلًا وتحريك عضلات الجسم المرخاة على أعصاب مشدودة لأكثر من أسبوع دون حراك، فمن الغرفة إلى المطبخ، ومن المطبخ إلى المكتب، ومن المكتب إلى الغرفة.. مكتبى- ومعملى- قريب جدًا من السكن، لا يتعدى الدقائق الخمس مشيًا على الأقدام، لكنها مسافة خطيرة جدًا في الوضع الحالى، لكن بصراحة أجد أن مخاطر الجلوس وحيدًا، في غرفة مغلقة، لأسبوع، أخطر من التحرك هنا أو هناك، مع أخذ الاحتياطات الكاملة لتفادى الإصابة.

أنا أدرس الدكتوراه في الأكاديمية الصينية للعلوم، هنا في فرع الحديقة النباتية في «ووهان»، وقد كان حلم الدراسة في الصين يشغلنى طوال سنوات مضت ولا يزال أملى الكبير في العودة إلى مصر في النهاية، ولدىَّ ما أفيد به مستقبلنا في مصر، ولكن كل تلك الآمال والطموحات باتت مُهدَّدة بالفعل الآن، في ظل هذا الخطر الذي أوقف الحياة تمامًا في مدينة ووهان.. كل هذا بات مُهدَّدًا، ولا نملك سوى الأمل والرجاء من الله عز وجل أن يستطيع العلماء الصينيون إيجاد حل للقضاء على هذا الوباء اللعين، وبعد ذلك أنا على يقين وثقة بأن الجسد الصينى القوى سيتعافى سريعًا، وستعود «ووهان» لامعة وجميلة وقوية من جديد. من قلب «ووهان».. كتبت تلك الكلمات إليك، أيها القارئ العزيز، ولا أطلب غير لحظات قليلة، تغمض فيها عينيك، وتتخيل كيف الوضع الآن في تلك المدينة البائسة، ثم الحذر والحرص من أن تنتقل مثل تلك الأزمات إلى بلادنا، فحينها ستكون الكارثة.. حفظنا الله، وأدام على بلادنا نعمة الأمن واللطف والعناية.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا