أخبار العالم / صحف مصر / المصرى اليوم

مهنة الكاتب.. «بوابة النجاح» في مصر القديمة (2-2)

  • 1/2
  • 2/2

اشترك لتصلك أهم الأخبار

التلاميذ في مصر القديمة يختلفون قليلا عن تلاميذ اليوم، باستثناء استخدام بعض التقنيات التي فرضتها ضرورات العصر الحديث والتقدم العلمى الذي استغرق قرونا وحقبًا عديدة وأجيالا متعددة، غير أن الأساليب التقليدية صارت قائمة منذ عهد الدولة القديمة، لعل أبرزها طرق الكتابة والقراءة والعلاقة بين المعلم والتلميذ.

وتسلط الدراسة الإسبانية التي أعدتها الباحثة في علم المصريات والتاريخ القديم بجامعة أوتونوما الإسبانية، كرستينا جيل بانكيه، ضوءا ساطعا على الأساليب التعليمية التي كانت متبعة في المدارس والمعابد بمصر القديمة، إلى جانب طرق التعليم التي تؤهل الكاتب المصرى ليتبوأ مكانته المرموقة في المجتمع المصرى، فمهنته لم تكن مجرد نقش على حجر لتمجيد الحكام وتدوين القوانين والأحكام وسرد المآثر والأعمال، ولكنها كانت في حقيقتها أداة سياسية لفرض مركزية وهيمنة الدولة.

واصلت الدراسة تدعيم أدلتها العلمية على أهمية مهنة الكتابة، وذلك من خلال اقتباسها نصوصا تاريخية ضمتها الكتابات المصرية القديمة، والتى من أبرزها متون الأهرام التي تقول إن الإنسان يفعل ما لا يكون من خلال الكتابة.

أكدت الدراسة أن الكاتب الذي كان يهيمن على الكتابة كان يتولى مهمة التأليف، مشيرة إلى أنه كان يتم تكليف النساخين بإعادة إنتاج النصوص المقدسة، في مدارس المعابد المرموقة المعروفة باسم «بيوت الحياة»، ومن ثم كانت بمثابة مراكز بحث حقيقية في الشؤون الدينية والعلمية، والتى كان الخبراء يستعينون بأعمالها.

وكان على من يرغب في ممارسة مهنة الكاتب أن يلتحق بمدرسة خاصة لمدة تصل إلى خمس سنوات، يتعلم فيها قراءة وكتابة اللغة الهيروغليفية والنصوص الهيراطيقية، فقد كان عملا شاقا نظرا لتعقد هذه النصوص وتعدد الرموز التي تميزت بها الكتابة المصرية التصويرية، والتى كان يتعين على الكاتب أن يتقنها.

الكاتب المصري في العصر الفرعوني

كان الكاتب في مصر القديمة من الشخصيات التي تتمتع بمكانة وأهمية خاصة في المجتمع بشكل عام، وأجهزة القصر الحاكم بوجه خاص، فهو يؤدى وظائف دينية وإدارية جعلته يحظى بأعلى مراتب التشريف والتكريم نظرًا للمهارة التي يتمتع بها مقارنة بغيره من أرباب الحرف والمهن التي كانت منتشرة، هذه المهارة كان لها مدارس خاصة يتعلم فيها الكاتب ويتدرج في مراحل التعليم المختلفة.

وفى هذا الصدد، ركزت الدراسة على مسار الرحلة التعليمية الشاقة التي كان يخوضها «الكتبة» في المدارس المصرية القديمة والأدوات التي كانوا يستخدمونها لإتقان عملية التعليم الذي كان يعتمد على القراءة والتلقين والاستظهار وصولًا إلى درجة الإتقان والبراعة التي تؤهلهم للالتحاق بالوظائف «الحساسة» في القصر الملكى والمعابد الدينية.

وأشارت الدراسة إلى المواد التي كان يستخدمها الكاتب المصرى في عملية التعليم والتى تتمثل في ورق البردى، والذى كان غير متوافر للجميع بالنظر إلى أنه كان من المواد «المكتبية» غالية الثمن، قائلة إن التلاميذ كانوا يستخدمون مواد أخرى تتميز بأنها أرخص ثمنًا وأحيانًا كانوا يكتبون على ورق غير نظيف، كما كانوا يحتفظون بآلاف القطع من الخشب والخزف والحجر الجيرى والتى كانوا يكتبون عليها النصوص ويدونون عليها الشروح والوصفات ويمارسون فن الخط، وكانوا يكتبون على الوجهين، وفى أحيان أخرى يستعملون مادة لاصقة غير منفذة للماء على ألواح الخشب، مما يسمح بإعادة استخدامها.

ونبهت إلى أن التلاميذ في مصر القديمة كانوا يختلفون قليلا عن تلاميذ الوقت الحاضر، وكانوا يستخدمون اللون الأسود لكتابة النصوص، بينما كان اللون الأحمر مخصصًا لكتابة العناوين وبدايات الفصل أو تصحيحات المعلم، مثلما يحدث اليوم، وكان معتادا أيضا أن يشار إلى تاريخ الإملاء والذى كان يتم تمييزه باللون الأحمر.

وقالت إن التكرار المستمر للنسخ، بشكل جزئى أو كامل، كان يتسبب في وقوع تشويه ما، مما تسبب في وصول نسخ متباينة لنفس النص، وكان في بعض الأحيان يعاد بناء وثيقة بفضل اكتشاف قطع منسوخة بتواريخ مختلفة بشكل «عرضى» يعتمد على الحظ، والتى تكتشف في مختلف مناطق مصر.

وأضافت الدراسة أنه من مفارقات التاريخ أن تشكل هذه المسودات النسخ الوحيدة التي تحتفظ بجواهر الأدب المصرى، مثل قصة سنوحى الشهيرة والتى تحولت إلى مادة دراسية في هذه الحقبة. ونبهت الدراسة إلى ما أسمته «اختلاف جودة» التمرينات الخاصة بالكاتب، والذى يوضح من هم الطلاب المميزون المزودون بقراءة جيدة مع انعدام الأخطاء الكتابية.

■ ضربة عصا

وفى هذا الصدد، تذكر قنينة من الفخار تعود للأسرة الثامنة عشرة، باللغة المصرية القديمة بعض النصائح للتلاميذ قائلة: «لن يدوم اسم من يترك المدرسة وهو سعيد»، فأولئك الذين لم يطبقوا التدريبات يخاطرون بتعرضهم لعقاب المعلم، فالمفترض أن أذن التلميذ تقع في الخلف وتسمع عندما تصدع فيها «الكلمات».

واستدركت الدراسة قائلة: «فى الواقع إن كلمة (يعلم) تعنى أيضا (يعاقب)، وهى التي اشتملت عليها نقوش هيروغليفية لرجل كان ممسكا بعصا وهو في وضع جسمانى يدل على الضرب كى يشرح أحد أفعال الحركة».

ونقلت عن عالم المصريات باسكال فيرنوس قوله إن التعليم في مصر القديمة كان نشاطا يتطلب مجهودا بدنيا، وكان هدفه هو ترسيخ المعلومات في عقول التلاميذ بشكل آلى سلبى وليس من خلال تحفيز الإبداع الفردى.

وقالت إن صرامة هذه الأساليب كانت تتمتع بالحصانة، فنحن نسمع مرات قليلة صوت التلميذ الذي يتلقى هذه التعليمات وهو يرد على الأب أو حتى يناقش جودة ما يمنحه إياه من تعليم، ولعل كلمة أب في هذا السياق تشير إلى المعلم الذي كان في منزلة الأب من ابنه.

■ في خدمة الدولة

وأكدت الدراسة أن وجود كثير من النصوص التي كانت تمجد وظيفة الكاتب المصرى لم يكن وجودا طارئا عرضيا، موضحة أنه كان في الحقيقة بمثابة ثمرة دعاية مدروسة جيدا من جانب الدولة كى تبرز كفاءتها، موضحة أن مصر كانت منظمة كبلاد موحدة تحت السلطة الملكية الحاكمة، وكان الكاتب يساهم بنشاط ودأب في تطوير الإدارة الجديدة، وعلى وجه الخصوص، في الدولة الوسطى.

ونبهت إلى أن الكتابة، وبالأحرى اللغة، تحولت في هذه العملية إلى وسيلة مهمة لفرض المركزية في مواجهة اللهجات المحلية، مشيرة إلى أن الدرجة العليا من البيروقراطية وضعت الكاتب في جميع قطاعات وطبقات المجتمع، ومن ثم تحول إلى شخصية دائمة الحضور، وهو ما يبدو داخل الإدارة المدنية والعسكرية، وداخل القصر والمعبد.

ولفتت إلى أن ذلك الحضور كان يتطلب في المقابل، تخصصًا، حيث تعددت ألقاب الكاتب، فهناك كاتب لمخازن الحبوب، وكاتب للمحفوظات وكاتب لمراعى قطيع الأبقار.

وأشارت الدراسة إلى أن النساء كن يستبعدن من هذه المهنة منذ اللحظة التي ترفض المدارس ضمهن إليها، مؤكدة أن النساء الكاتبات لم يتميزن بالدأب والمثابرة، ولكن على الأرجح أن بنات بعض المثقفين كن يتعلمن القراءة والكتابة، هناك احتمال بأنهن من قمن بكتابة بعض الرسائل التي تم العثور عليها.

وأوضحت أن الكاتب كان يسجل عملية تحصيل الضرائب وكان يحسب الحصاد، ويرافق الجند في الحملات العسكرية، كما كان يقدم خدماته خاصة في تحرير الرسائل والوصايا وقراءة المراسلات، وكلها مهام تستلزم امتلاك صفات في الكاتب كى يتمكن من إدارتها.

وكان الجهاز البيروقراطى يقوم بتشغيل اثنين في تجميع الأعمال الورقية وجميع الوثائق التي كان يحتفظ بها في المحفوظات ريثما الرجوع إليها.

وكان الكاتب يمنح منصبا راقيا، باعتباره قريب الصلة بالفرعون، وهناك تماثيل مشهورة للكتاب الجالسين، وقد وضعت لفافة من أوراق البردى على ركبتهم وهى أفضل تعبير يعكس مكانة الكاتب الاجتماعية وعلو شأنه في المجتمع، وكان في المقابل، يجرى تنظيم «تراتبية» هياراركية من المديرين والتى كان يوجد في أعلاها الوزير على يمين الفرعون، ويبدو أن الترقى كان يجرى بسهولة في هذه المهنة.

وأكدت الدراسة أن نجاح الكاتب كان يحظى بتقدير اجتماعى، فنحن نعرف أسماء كثير من الكتاب الذين عززتهم أعمالهم مثل «بناتاور» مؤلف القصيدة الشهيرة الخاصة بمعركة قادش التي كتبها بتجيلا لرمسيس الثانى.

كما أكدت أن الكاتب كان أكثر من كونه محاسبا أو أمين سر أكثر من كونه مفكرا، ولكن عندما يترك سلم الهيكل الوظيفى أو عندما تمتزج أعمالهم بأعمال الكهنة، فإن هذا المزيج هو نموذج للعلم والمعرفة، قائلة إن هناك أسماء لبعض الكتاب التي ظلت في الذاكرة التاريخية باعتبارهم محتكرين للعلم.

واستشهدت في هذا السياق باسم امحوتب، الذي شيد هرم سقارة المدرج، أو أمينحوتب ابن هابو وزير امنحوتب الرابع، والذى كان موظفا من أصل متواضع والذى أعيد تعيينه كمهندس معمارى، وكلا الكاتبين حظيا بالتقديس في حقبة متأخرة وكانوا يبجلون كما لو كانوا قديسين.

من جانبهم لم يكن الفراعنة يشكون في تقديم أنفسهم ككتاب كى يحيطوا أنفهسم بهالة الشرف.

■ تحت رعاية القرد

وحللت الدراسة الأصل في كلمة «هيروغليفية» وهى اسم اللغة التي كان يتحدث بها قدماء المصريين، موضحة أنها تعود إلى مصطلح يونانى، حيث كان المصريون يسمون كتابتهم الهيروغليفية بـ«كلمات الإله»، فوفقًا لأسطورة مصرية، تلقى الإله تحوت الكتابة من أيدى «رع» كتكليف منه لتعليمها إياه للبشر، ومن ثم تدرب تحوت على وظائف كاتب الآلهة مسجلا عن طريق النقش جميع الأعمال الإلهية والتى كان من بينها كتابة اسم الفرعون الجديد على أوراق شجرة مقدسة، التي كان يسجل قرار محكمة الآخرة التي كانت تزن قلب المتوفى كى ينال الخلود.

وقالت، صار هذه الإله يتخذ صورة قرد البابون أو إيبس الذي تحول إلى راع لطائفة الكتاب، مشيرة إلى أن مركز عبادته الرئيسية كان يوجد في مدينة الأشمونيين، التي كان يطلق عليها الإغريق اسم هيرموبوليس، والذين كانوا يشبهون الإله «تحوت» إله الحكمة، بإلههم الإغريقى «هيرميس».

ولفتت إلى أن الأصل المقدس للكتابات الهيروغليفية منحها سلطة على الكتابة الهيراطيقية التي كانت تمثل اللغة الدارجة اليومية، مؤكدة أنها كانت مزودة بـ«شحنة سحرية» وكانت قد وهبت الحياة يقينا، لأن المرء بوسعه أن يفعل ما لا يكون من خلال فعل الكتابة، حسبما تقول متون الأهرام.

■ حصن للثقافة

أكدت الدراسة أن الكاتب المصرى ارتقى كحصن للثقافة كلها وذاكرتها، تاركا كتاباته كإرث تاريخى.

ونوهت إلى أنه كان يجرى تشويه الكتابات الهيروغليفية داخل المقابر والتى كان من شأنها أن تضر المتوفى، وكان يتم إبطالها بطريقة سحرية من خلال ثقب جثث الأسود والثعابين.

وخلصت الدراسة إلى أن الكاتب، الذي كان يهيمن على الكتابة، كان يتولى مهمة التأليف، مشيرة إلى أنه كان يتم تكليف النساخين بإعادة إنتاج النصوص المقدسة، في مدارس المعابد المرموقة المعروفة باسم «بيوت الحياة»، والتى كانت بمثابة مراكز بحث حقيقية في الشؤون الدينية والعلمية، والتى كان الخبراء يستعينون بأعمالها، مؤكدة أن البلد الذي اخترع ورق البردى لم يستطع التخلى عن الخضوع لتقديس الكتاب، الذي كان، وفقًا لوثيقة شهيرة، أكثر نفعا من تشييد بيت أو مقبرة وكان يساوى ما هو أكثر قيمة من تأسيس مسكن، حيث كانت الإلهة سى ساحت، زوجة الإله تحوت، بالدقة، حامية محفوظات «اللفافات المقدسة»، حيث كان يتم حراسة الكتب الدينية.

وقالت الدراسة إن مسؤولية القراءة كانت تسند إلى حامل كتاب الشعائر أو الكاهن القارئ، أثناء إقامة المراسيم، مشيرة إلى أن هذا التقليد كان مرتبطا بشخصية الساحر على فرض أنه كان محصنًا من الأخطار المرتبطة بالكتابة.

وأضافت: «فى مجتمع يتميز بتقاليد شفاهية مؤثرة، كان الكاتب المصرى يرتقى كحصن للثقافة كلها، وذاكرتها تاركًا كتاباته كإرث تاريخى» في حين حافظت الدولة المصرية القديمة على هذه المعرفة وواظبت على توصيل الاهتمام بها عبر الأجيال. وتابعت أن المكتبات الخاصة، التي ظهرت في فترات متأخرة مثل الفترتين الهلنستية والرومانية أصبحت أمرا معتادا. واختتمت الدراسة بأن الكاتب كان حارسا للكلمات وفنانا للكتابة في هذا التراث «الضخم» الذي لا يحصى.

الكاتب المصري في العصر الفرعوني

كان التلاميذ الذين يلتحقون بالمدارس، يقضون وقتا طويلا في ممارسة التدريب على إتقان الكتابة الهيروغليفية، ومن ثم فإن مهنة الكاتب لم تكن متاحة ومفتوحة لالتحاق الجميع، فقد كان معظمهم من أبناء الكتاب أنفسهم والذين كانوا يتعلمون فنون المهنة تمهيدا لتوارثها عن الآباء، ولكن على الرغم من ذلك تمكن بعض الحرفيين من إلحاق أبنائهم بمدارس الكتاب، ولكن يبقى ذلك أمرا نادر الحدوث. وكان معظم التلاميذ ينتمون إلى الطبقة الوسطى، لأن التعليم كان مكلفا، بينما كان واحد من بين مائة مصرى يستطيع إتقان الكتابة والقراءة.

ولقب الكاتب في اللغة المصرية القديمة هو «سيش» والتى تترجم في واقع الأمر إلى الفعل «يرسم»، ولكنه في الحقيقة كان ناقلا أمينا دقيقا دوّن حضارة كاملة، لولاه ما كان أحد توصل إلى فض مغاليقها وحل ألغازها. في حين أن كاتب البلاط الفرعونى هو من يتمتع بالمكانة الأرقى بين جميع الكتاب الذين كانوا يتمتعون بمستوى رفيع من الرفاهية الاجتماعية، فقد كان ينظر إليهم على أنهم علماء العصر والأوصياء على العلم وناقلو الثقافة والفنون.

وفيما يتعلق بالتحاق الفتيات بهذه المهنة، يرجح الخبراء المتخصصون في علم المصريات أنهن كن يتدربن لممارسة المهنة من أجل قراءة النصوص الطبية، وأن هناك دليلا على أن هناك طبيبات، ولكن فيما يتعلق بممارسة حرفة الكتابة، فإن أكثر ممارسيها من الرجال في حين ذهب البعض إلى أن هذه المهنة كانت مقصورة حصرا على الأولاد.

وتستغرق العملية التعليمية وقتا يصل إلى خمس سنوات، فالمهمة لم تكن سهلة بالنظر إلى أن المصريين كانوا يدونون أعمالهم الجليلة وتاريخهم الحى النابض وأفكارهم المتدفقة كفيضان نهر النيل، على جدران المعابد الشامخة والمسلات الشاهقة والأهرامات الضخمة والمقابر التي كانت في حقيقتها معابر للخلود والتوابيت والتماثيل وجدران البيوت ولفافات البردى، التي شكلت كتابا مفتوحا لحضارة بلا نظير.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا