أخبار العالم / صحف مصر / الدستور

حسن راتب يكتب: سر المصطفى مولد الحبيب.. تطهير للنفس والروح

المولد النبوى يمثل رمزًا للوحدة الإسلامية لأنه يقام فى كل دولة إسلامية
مولد المصطفى يؤكد أننا أمة ذات حضارة لها جذور وسمات وخصوصيات

بأبى أنت وأمى يا حبيبى يا رسول الله، فها هى ذكرى مولدك العطرة تهب علينا هذه الأيام بنسماتها التى تفيض عشقًا وحبًا فيمن أشرقت بنوره السماوات والأرض، مولد الحبيب المصطفى الذى يمثل يوم مولده لحظة فارقة فى حياة البشر.. لحظة فاصلة بين الظلام والنور وبين الخير والشر، وهو ما يجعل الاحتفال بمولد الهادى العدنان والرسول الكريم وإظهار حبه ومودته أمرًا حتميًا يصل بنا إلى حالة روحانية تتطهر فيها الأبدان وتسمو بها الأنفس، ففى مشربنا وفى تكويننا الروحى والوجدانى.

يمثل هذا الاحتفال بمولده، صلى الله عليه وسلم، مسألة تتعلق بقناعة تامة بضرورة الامتثال لأمر التقرب من صاحب الكرامات توددًا له حينما تعرض عليه أعمالنا، وذلك وفقًا لقوله، عليه أفضل الصلاة والسلام، «تعرض على أعمالكم فإن وجدت خيرًا حمدت الله لكم وإن وجدت غير ذلك استغفرت الله لكم».
لقد قرأت ما قرأت وسمعت ما سمعت، فوالله ما قرأت وما سمعت أروع ولا أحلى ولا أجمل من تلك السيرة العطرة.. ومن هنا فإن التعلق بأستار الود والحب تجاه الحبيب المصطفى وإحياء ذكرى ميلاده العطرة أمر مستحب وخصلة محمودة، لأن ذلك بكل تأكيد سوف يعود علينا بالخير الوفير، ويفيض على الأمة الإسلامية بالراحة والطمأنينة، ويفتح أمامنا أيضًا أبواب الخير والبركة.. فكيف لا يكون الأمر على هذا النحو من الجمال والروعة، وهو فى الأساس يرتبط ارتباطًا وثيقًا بصاحب النفحات النورانية الذى يتوق الكون كله إلى إحياء ذكراه، شوقًا وعشقًا وأملًا فى الفوز بصحبته والاغتراف من الورد المورود، والاستزادة من حالة الوصل والوصال مع صاحب الخصال الحسنة، تصديقًا لما قاله هو عن نفسه، فقد قال وهو لا ينطق عن الهوى (أدبنى ربى فأحسن تأديبى).
وبالتالى فإن ذلك يؤكد أهمية احتفالنا فى الأساس بيوم المولد النبوى الشريف، الذى يعد يومًا شاهدًا على أعظم ذكرى فى تاريخ الأمة الإسلامية، وهو يومٌ يمنحنا العبر والدروس ويُحيى بداخلنا الشوق لنبيّنا وحبيبنا محمد، ويؤجّج القوة الإيمانية فى نفوس المسلمين بأن يُحفّز على العبادة والذكر والصلاة على صاحب الذكرى، بالإضافة إلى العمل بسنّة النبى والأحاديث النبويّة الشريفة وإحياء ذكرى آل بيته الأطهار.
فيجب علينا أن نحسن العمل وأن نتزود بالتقوى، وأن نتقرب إلى الله بصالح الأعمال وبالطبع فإن تلك الخصال الحسنة يمكن لنا القيام بها من خلال المرور عبر بوابة سُنة المصطفى ومآثر آل بيته الأطهار، الذين بكل تأكيد فى التقرب منهم خير وبركة. ففى رحاب الحبيب.. العقائد كلها تحمل مبادئ مشتركة، ذلك أن النبع واحد والخالق واحد والقيم هى القيم لا تختلف باختلاف المكان ولا الزمان، فالصدق محمود فى كل الأديان والكذب مبغض فى كل الشرائع والأمانة من القيم العظيمة فى الإنسان والخيانة من السلوكيات المبغوضة من الخلق فى كل مكان وزمان، والوفاء من شيم الأوفياء والغدر من الظواهر التى تدل على الخسة وعدم الأخلاق.. والفطرة التى خلق الله الإنسان عليها جعلت القيم هى القيم حتى عند المنحرف، فالصادق محترم حتى عند الكذاب، والأمين محترم حتى عند الخائن والمستقيم الملتزم بالقيم العليا محترم حتى عند المنحرف المفرط فى تلك القيم.
وها نحن فى هذه الأيام نستعد للاحتفال بمولد الهادى المصطفى، الذى يمثل بالنسبة للمسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها قمة الوصل والوصال بصاحب أفضل الخصال.
واللافت للنظر أن الاحتفال بالمولد النبوى الشريف، صلى الله عليه وسلم، قد بدأ بالاحتفال بالموالد بالاجتماع وأكل الطعام وتعليق الزينات وإظهار الفرح والسرور فى مثل هذه المناسبات.
ويرى البعض أن الاهتمام الشديد لدى المصريين بتلك الأعياد الدينية، ما هو إلا ميراث مصرى قديم يضرب بجذوره فى أعماق التاريخ المصرى، الذى شهد اهتمامًا بإقامة طقوس وتقاليد مقدسة، ومن ثَم ورث المصريون من أجدادهم ذلك الاهتمام بطقوس الاحتفالات الدينية فيما بعد إلى أن وصلت إلى تلك الاحتفالات بمولد الحبيب المصطفى سيدنا محمد، عليه أفضل الصلاة والسلام، الرحمة المهداة والذى تتوق الأنفس للفوز بصحبته فى جنة الخلد إن شاء الله. فالحبيب المصطفى كان ولا يزال بل سيظل أيضًا يمثل بالنسبة لنا صمام أمان، حيث يعيش فى وجداننا ويمثل بالنسبة لنا أيضًا وسيلة للتقرب إلى الله عز وجل.
فحينما بعث سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، خاتم الأنبياء والمرسلين إلى العالمين جاء بما يتفق مع الفطرة، وليلبى فطرة الناس التى خلق الله عليها ولن تجد لسنته تبديلًا.. والحقيقة أن الدين عند الله الإسلام يوم خلق الله الخلق أجمعين منذ آدم إلى أبى الأنبياء سيدنا إبراهيم الخليل، ولا يختلف الدين، فجميعهم مسلمون لله الواحد الأحد الفرد الصمد، إنما تختلف الشرائع من يهودية إلى مسيحية إلى مسلمين، فالدين واحد وهو الإسلام واختلاف المشارب والأفكار والتناول ما هو إلا اختلاف المكان والزمان وتلبية متطلبات العصر.
وقد حث الرسول، صلى الله عليه وسلم، على مكارم الأخلاق، وكان أفضل الخلق أخلاقًا وأحسنهم آدابًا، وبيَّن رسول الله أنه ما بُعِثَ إلا ليتمم مكارم الأخلاق والثناء على ما كان فاضلًا، والحث عليه، حيث يقول، صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، ولقد امتدح الله نبيه على كمال الأخلاق فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}، وذلك يظهر من خلال معاشرته للناس ومخالطته لهم، ولقد سُئِلَت عائشة، رضى الله عنها، كيف كان خلق النبى، صلى الله عليه وسلم؟ قالت: «كان خلقه القرآن» فلقد كان قرآنًا يمشى على الأرض، أى أنه عمل بأخلاق القرآن، وتمثل آداب القرآن، وذلك أن القرآن أنزل للتدبر والعمل به، فكان أولى الناس عملًا به وامتثالًا لأوامره سيد الخلق.
ومما ذكره السلف الصالح فى حث الرسول على الأخلاق، أنه قال صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم ببيت فى ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا، وببيت فى وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت فى أعلى الجنة لمن حسن خلقه».
كما قال النبى، صلى الله عليه وسلم، أيضًا: «ما شىء أثقل فى ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذىء».
وكان أول من امتثل تلك الأخلاق وعمل بها رسولنا، ونحن نذكر من الأخلاق الحميدة التى تخلق بها لنقتدى به فى ذلك تحقيقًا لقول الله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}.
ومن تلك الأخلاق الرفيعة: الصدق فى الكلام، وفى النيات، وفى الأعمال كلها، فهو الذى اتصف بذلك الخلق العظيم، وشهد بذلك أعداؤه قبل أصحابه، وقد كان يسمى الصادق الأمين، وهو القائل: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدى إلى البر، وإن البر يهدى إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدى إلى الفجور، وإن الفجور يهدى إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا».
وقد جعل المصطفى الكذب علامة من علامات النفاق، حيث قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».. وهكذا عاش رسول الله صادقًا فى كلامه، وصادقًا فى عمله، وفى نيته، وفى مبادئه.. لم يصل إلى ما وصل إليه بالكذب والحيلة والمكر، بل إن كل حياته وضوح وصدق، حتى مع أعدائه الذين آذوه وأرادوا قتله وأسره. ومن أخلاق الرسول أيضًا التواضع وخفض الجناح للمؤمنين: وقد أمر الله رسوله بذلك فقال: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}. وذلك أن التواضع يؤلف القلوب ويملكها بالمحبة، وقد كان رسول الله متواضعًا، خافض الجناح، لين الجانب، إذا جلس بين أصحابه كان كأحدهم، لا يتعالى ولا يترفع عليهم ولا يعطى لنفسه امتيازًا إلا ما تقتضيه طبيعة القيادة من الأمر والنهى.. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: «كان رسول الله يخصف نعله ويخيط ثوبه، ويعمل فى بيته كما يعمل أحدكم فى بيته».
هكذا كانت أخلاق الرسول، صلى الله عليه وسلم، ومن حق رسول الله على كل مسلم أن يتأسى به فى الأخلاق، ويقتدى به فى سلوكه الخاص والعام ومن أخلاق الرسول الكريم: إكرام الضيف والجار والإحسان إليهما، وهو القائل: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».
إن الاحتفال بالمولد النبوى معناه أننا نقدر نعمة الله علينا بهدايته لنا برسوله وأننا ممتنون لله على هذه النعمة ونقدرها حق قدرها.. كما أن معناه أننا نحب الرسول ونتخلق بأخلاقه ونتزود بالمعرفة العملية الصحيحة بالإسلام وقيمه ومثله العليا وروحه وجوهره، كما أن المولد النبوى الشريف يمثل أهمية بالغة للأمة الإسلامية، فهو يعتبر خاصية حضارية لها بين الحضارات والأمم الأخرى التى لها أعياد ومناسبات مستقلة وذات خصوصية، ونحن كأمة إسلامية يمثل الاحتفال بهذا المولد الشريف جزءًا مهمًا من مميزات حضارتنا الإسلامية العريقة بل إن الاحتفال بمناسبة كهذه يعكس صحوة إسلامية، ويعنى بأن الأمةَ فى طريقها نحو استعادة عزها وكرامتها وقيادة ركب العالم كما أراد الله لدينها حينَ قال سبحانه {هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}.
ولعل إحياء المولد النبوى الشريف مدخل للعودة الصادقة ولتحمل المسئولية فى تمثيل الدين أحسن تمثيل ونقطة انطلاق لهذا الدور الكبير، الذى قال الله سبحانه عنه (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)، وحتى نكون واقعيين فكل هذا الأمل ليس على هذه المناسبة فقط ولكنها خطوة وبداية فى الطريق الصحيح..
أضف إلى ذلك فالمولد النبوى هو المناسبة التى يمكن أن تمثل رمزًا للوحدة الإسلامية عندما تقام فى كل دولة إسلامية فإنها تدل على القاسم المشترك والرابط الموصل بين كل الشعوب.
كما يدل الاحتفال على المحبة لرسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى التقوى كما قال سبحانه {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}.
فالاحتفال بهذه المناسبة دليل على لين القلب ورقة الفؤاد وخشوع الإنسان وعلى الشوق لرسول الله والاتصال بذكراه والتعلق به صلى الله عليه وآله وسلم.
فضلًا عن ذلك، فالمولد النبوى الكريم يظهرنا أمام العالم بأننا أمة ذات حضارة لها جذور ولها سمات وخصوصيات لا يمكن أن تذوب أو أن تتماهى مع مشاريع الغزو الثقافى.
واللافت للنظر أنه من كبرى الدلالات لإحياء المولد النبوى الشريف أننا أمة نتمسك بنبينا ونعظمة ونجله ونحرص على التأسى به، وأننا لا نزال نتولاه ونطيعه، وبالتالى فلن يجرؤ أحد على الإساءة إلى الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، فعندما تحيى مئات الآلاف ذكرى رسولها فإن الأعداء سيحسبون ألف حساب قبل الإقدام على أى محاولة إساءة لمقدساتنا ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم.
وهكذا فإن ما ذكرناه إنما هو قليل من كثير.. وواجبنا تجاه ذلك: الاقتداء به والتأسى به فى الأخلاق والأعمال، اتباعًا لقوله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّـهَ كَثِيرًا}.
هكذا فليكن احتفالنا بالمولد النبوى الشريف بأن نقتدى به فى خلق الصدق، وأن نتقى الله فى كلامنا وحياتنا كلها. وأن نرفع أكف الضراعة، سائلين المولى عز وجل أن يحسن أخلاقنا وأعمالنا..
آمين

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا