أخبار العالم / صحف مصر / الدستور

محمد فؤاد يكتب: حيرة "الأحوال" بين ولاية الفقيه وفقه التشريع

منذ أن دخلت مؤسسة الأزهر في "مفرمة" الأحوال الشخصية، ومواقفها تدعو للتأمل، في محاولة لفهم ما تحاول هذه المؤسسة الشريفة فعله أو تصديره بآلياتها لمناقشة هذا التشريع، فرغم أن دورها واضح وسهل في إطار دورها الدستوري والديني أيضًا، فقد حاولت أن تتجاوز كل ذلك وتبحث عن دور لا يخصها من ناحية ولا تمتلك الإمكانيات للقيام به من أخرى، بل والأشد من ذلك سوف يؤدي إلى زيادة الأزمة.

ولفظ مفرمة لا يجب أن يكون مسار تساؤل، فهو بالفعل ويكاد يكون أقوى، وذلك لكل من يحاول الدخول في مسائل الأحوال والخلافات حاول القانون القائم، حيث إن اتخاذ أي موقف من المواد الخلافية يؤدي بالطبع إلى حالة من الهجوم والنقد اللاذع من الطرف الآخر، حتى وإن كانت مصلحة الطفل الفضلى ومن بعدها العدل هي الهدف الأسمى لتحركك.. وهو الآمر الذي حذرنا منه الأزهر سابقًا بأنه سيفقد صورته شبه المقدسة في نظر الشعب، متحولًا إلى جدار مانع للحقوق، ولهدمه سبل من الانتقادات والسباب والتكسير وغير ذلك الكثير.

أما فيما يخص مواقف الأزهر من القانون، فالمتابع الشديد لتطورها يجد أن المؤسسة الشريفة ورأسها الإمام الأكبر، حاولت أن تغازل طرف المرأة في المجتمع، مستغلة المطالبات الكثيرة بضرورة تعديل معتقداته ومناهجه بشأن المرأة في مشهد أشبه بخطة تسويقية تغازل قطاعًا مجتمعيًا بخطاب إنصاف لا يحققه فعل. ويبدو أن مع عدم قدرته على إيجاد تعديل جوهري، فضّل القائمين عليه دعمها في مسألة أخرى لا تعنيه، حتى يعمل على تحسين الصورة الذهنية عنه دون اتخاذ قرارات مخالفة للمعتقدات الرئيسية التي يدرسها ويلزم بها قادته.

بعد ذلك تحولت الكفة في اتجاه محاولة الرد على الاتهامات المتتالية من المجتمع وكباره من المثقفين وغيرهم بفشل الأزهر، في تجديد الخطاب وتسببه في العديد من الأزمات، فهذا الأمر صدر صورة وصلت إلى قادة المؤسسة بأن دورهم في المجتمع قلّ وهناك توجهات حقيقية في الحكومة لتخفيض هذا الدور مع كونه عائق في التطوير والتجديد، ما دفعهم إلى محاولة التحذير بسلطته على المجتمع باستغلال المكانة الدينية لهذه المؤسسة.

وصلنا مؤخرًا إلى جزء من مفهوم ولاية الفقيه، واتضح ذلك من تصريحات الإمام الأكبر نفسه، الذي في حديثه عن أسباب تمسك الأزهر بإعداد مشروع، قائلًا إن المؤسسة لن تترك مسائل الأحوال لكل "من هب ودب" ليتدخل فيها، وكأنه صاحب سلطة بالفعل وكلمته حاسمة وقاطعة لن يرده فيها برلمان كان أو حكومة.

الأزمة الحقيقية التي بدأت في مواجهة المؤسسة مؤخرًا، هو أنها لم تمتلك الإمكانيات التي تسمح بها بإعداد مشروع قانون، ومنتجه الذي خرج، لاقى انتقادات واسعة من جميع الأطراف، خاصة وأنه لم يتم إعداده من قبل متخصصين عندهم جزء من "فقه التشريع"، ولكن تم إنجازه في اجتماعات لهيئة كبار العلماء يتوافقون فيها على ما انتهى إليه التراث في مسائل الأحوال.

معالجة مسائل الأحوال الشخصية التي أدت إلى فساد بالمجتمع وحالة من قطع الأرحام بالطبع لن تكون بتوضيح موقف التراث من المواد الخلافية، والتي هي في الأساس ليست من القرآن والسنة في شيء، دون علم حقيقي بمعاناة المجتمع ودراسة لأسباب ذلك واعتكاف متخصصين على وضع الآليات التي تسمح لاحقًا بالمعاجلة.

لست في موضع لاستعراض مدى مخالفة الأزهر لدوره الدستوري وصلاحياته كمؤسسة دينية، فلله الحمد فطن الجميع إلى ذلك، إلا أن ما أؤكد عليه هو أن الأزهر لن يستطع فرض سلطته وكأننا نعيش عصر آخر لولاية الفقيه، و أن محاولات التظاهر بحماية حقوق المرآة تارة و القول بأن هذا "تشريع قرآني" تارة أخرى لن تسكت ألسنة النقد من نساء و رجال المجتمع الباحثين عن حلول لمشاكل مجتمعية عنيفة.

لم يمانع أحد قط الأزهر الشريف و إمامه الأكبر من إبداء الرأي فيما يخص القوانين المطروحة، لكن القفز على المشهد و مصادرة الأراء بخطاب فوقي و نص ركيك لن يرهب أحد و لن يسكت نقد. نسأل الله أن يلهم الجميع الرشد.

*عضو مجلس النواب

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا