الارشيف / أخبار العالم / صحف مصر / المصرى اليوم

عبدالمنعم سعيد عن «محركات المستقبل المصري»: الزيادة السكانية لا تقل خطورة عن الإرهاب

اشترك لتصلك أهم الأخبار

على قدر تفاؤله، بدا المفكر الدكتور عبدالمنعم سعيد، رئيس مجلس إدارة «المصري اليوم»، حذرًا ومتخوفًا، خلال ندوة «المحركات العشرة للمستقبل المصري»، إذ يرى أن ما جرى في مصر خلال القرنين الماضيين هو «انتقال من فشل إلى فشل آخر»، وأن ما يجري الآن هو محاولة، ربما تكون الأخيرة، للحاق بركب الدول المتقدمة.

حث «سعيد»، في الندوة التي نظمتها جامعة القاهرة في قاعة الاحتفالات الكبرى، الثلاثاء، على ضرورة «الكمون الاستراتيجي» للدولة، عبر ضبط السياسية الخارجية وفقًا لقدراتها، وتطويعها بما يخدم المصالح العليا للدولة المصرية.

يرى «سعيد» أن التنمية المصرية يمكن أن تتحقق بالسير في هذا الطريق، فعلى الدولة أن تتجنب الدخول في الصراعات الخارجية، وأن تجعل سياستها في الخارج أداة للحصول على التكنولوجيا والاستثمار، ومن ثم تأتي مرحلة البناء الداخلي عبر تعبئة الموارد القومية واستغلالها الأمثل.

استهل «سعيد» حديثه قائلًا: «الزمن في مصر مهم جدًا، إذ يتبعه بضع آلاف من السنوات، وهو أمر غير متاح لكل شعوب العالم، ومصر تحاول الانتقال منذ مائتي عام من عصور الظلام المملوكية والعثمانية إلى العصر الحديث، وعلى مدار تلك الفترة كنا ننتقل من فشل إلى فشل آخر، وكانت هناك محاولات منذ عهد محمد على وحتى الآن للخروج من هذه المسألة».

أضاف: «أزعم أن ما يجري اليوم في مصر هو محاولة جديدة، قد تكون الأخيرة، للخروج من تلك المسألة، ولا أقول هذا لكي أجعل أحدًا يشعر بالخوف أو الذعر لسبب بسيط جدًا، وهو أن العالم يجري بسرعة مخيفة، فإذا كانت لدينا فرصة للحاق بركب الدول المتقدمة فهي الآن، بعد ذلك ربما يكون هذا الأمر إن لم يكن مستحيلًا فهو بالغ الصعوبة وعالي التكلفة».

حدد «سعيد» نطاقًأ زمنيًا لرؤيته للمستقبل المصري، وهي الفترة بين عامي 2010 و2030، قائلًا: «في العقدين الأخيرين، انتقل أكثر من مليار من البشر من الفقر إلى اليسر في الطبقات والشرائح الاجتماعية الوسطى، وكانت الأغلبية الساحقة من دولتي الصين والهند، وعلى عكس ما يعتقد الكثيرون فإن أحوال العالم أفضل الآن عما كانت عليه قبل عقود وقرون».

تابع: «ارتفعت مستويات المعيشة في دول كثيرة، وتراجعت معدلات حدوث المجاعة والأوبئة، ولم يكن لذلك أن يحدث لولا الثورة العلمية والتكنولوجية، وربما أهم من هذا وذلك تراجع الصراعات الدولية والحروب الأهلية، باستثناء منطقة الشرق الأوسط، كل ذلك لم يكن ممكنًا لولا أن الغالبية من دول العالم تسعى إلى التقدم والتنمية بحشد وتعبئة الاستثمارات الداخلية والخارجية، ومراكمة رأسمال يسمح للدولة بتحقيق معدلات عالية».

أردف قائلًا: «من أهم شروط هذه النقلة الكيفية هو السير في طريق الكمون الاستراتيجي، بمعنى أن تتجنب الدولة الدخول في الصراعات الخارجية وأن تجعل سياستها في الخارج أداة للحصول على التكنولوجيا والاستثمار، فنجد أن زعماء الصين حرصوا لفترة طويلة على مقاومة أمرين: أولهما أن الصين دولة متقدمة، فكانوا ينفون عن أنفسهم صفة التقدم، ويصرون على أنهم مازالوا متخلفين وفقراء، وثانيهما أن الصين لا تسعى لأن تكون دولة عظمى، ورغم مشاكلها الإقليمية الكثيرة فإنها تسعى لحلها بالطرق السلمية مثلما فعلت مع مشكلة هونج كونج وتايوان ومشكلات الحدود وغيرها».

استطرد: «حتى وقت قريب لم يكن في الصين أي حديث عن الدور الإقليمي أو العالمي للصين، وهي لا تستخدم حق الفيتو، ولكنها تمتنع عن التصويت في مجلس الأمن إلا في القضايا التي تهمها مباشرة، ونلاحظ أن موقف الصين من التواجد الامريكي المباشر في أفغانستان المجاورة كان مرحبًا، لأنه لمواجهة الجماعات الإرهابية، وكانت الولايات المتحدة في الحقيقة تحارب فيما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 بالوكالة عن الصين».

زاد: «كانت الصين تحصل في المتوسط على قرابة 40% من رؤوس الأموال الغربية المستثمرة في العالم الثالث، لكن الصين ليست المثال الوحيد، فاليابان وكوريا الجنوبية والبرازيل وماليزيا جميعها لم يكن لها دور دولي مؤثر، واقتصرت الأدوار الإقليمية لهذه الدول على تلك المتعلقة بالتعاون الدولي، وفي كل هذا يجب أن تمارس حالة من الكمون الذي تركز الدولة تمامًا بمقتضاه على عمليات البناء الداخلي وتتجنب قدر الإمكان المناوشات والتوريطات الخارجية».

يرى «سعيد» أن «مصر على العكس من ذلك خلال تاريخها فيما بعد الحرب العالمية الثانية، اعتمدت استراتيجية الفتح الاستراتيجي الذي يتيح لها علاقات إقليمية ودولية متميزة، فساهمت في مشكلات مع الدول العربية، ودخلت حرب فلسطين الأولى رغم التحفظات في مجلس الشيوخ والوزراء المصريين، وهي الحرب التي كانت بداية حرب امتدت إلى أخريات في سنوات 1956 و1967 و1969 و1973، بالإضافة إلى حرب اليمن والصراعات الأفريقية والمشاركة في حرب تحرير الكويت».

ويقول: «كان لهذه المرحلة بحلوها ومرها ظروفها الخاصة، والتي يستحسن تركها للمؤرخين، ولكن الأهم هنا أن التركيز الداخلي على نجاح الدولة فقد الكثير من قوة الدفع، وتكونت مدرسة كاملة من السياسة الخارجية المصرية قوامها أن الفتح الاستراتيجي يدعم عمليات التنمية المصرية، بما حصلت عليه مصر من منح ومعونات ومكانة من النظام الخليجي والدولي».

ويضيف: «مصر دخلت الآن مرحلة جديدة في سياستها الخارجية وحماية أمنها القومي، تبدأ من حقيقة أن البناء الداخلي هو حجر الأساس في حماية مصر وتحقيق أهدافها الاستراتيجية في تعبئة البيئة الخارجية لدعم الداخل المصري، والحقيقة الثانية أن التركيز على البناء يواكبه سياسات خارجية تقوم على التعاون والحد الأدنى من الاشتباك فتحافظ على اتفاقية السلام مع إسرائيل وتدير قضية المياه مع إثيوبيا بحيث لا تقود إلى صراع وإنما للعمل المشترك، وإذا كان ضروريًا كما هو الحال في ليبيا فإن القوات المسلحة تستخدم القوة بحسم وحساب لإرسال الرسائل أن مصر قادرة على استخدام القوة عندما تقتضى الحاجة».

ويمضي بالقول: «هنا نجد أن الحركة المصرية النشطة تقتصر على الحدود المباشرة مع فلسطين وإسرائيل في الشمال الشرقي ومع ليبيا في الغرب، ومع السودان وإثيوبيا وإريتريا في الجنوب، هذه كلها تمثل القضايا المباشرة المتعلقة بالأمن القومي المصري وما عداها يتصل بعمليات البناء الداخلي، ومن ثم كانت هناك اتفاقيات تخطيط الحدود البحرية مع المملكة العربية السعودية التي فتحت أولًا أبواب الاستغلال المصري لمنطقتها الاقتصادية في البحر الأحمر، كما كانت اتفاقية تخطيط الحدود البحرية مع قبرص التي قادت إلى تنمية حقلي ظهر ونور للغاز والتعاون في منطقة شرق المتوسط في نقل وتسييل وتصنيع الغاز في الأرض المصرية، وإذا أخذنا كل ذلك مع تنمية إقليم قناة السويس فإن مصر تصير مركزًا إقليميًا للطاقة».

«الكمون الاستراتيجي لمصر خلال مرحلة البناء الراهنة يعطيها فرصة لم تتوفر خلال عقود ماضية»، يقول «سعيد»، مضيفًا: «كانت حركة الخارج تفقد الدولة مركزيتها ومحوريتها في التفكير الوطني، وإذا كان الجوار المباشر برا وبحرا يحدد النطاق الجغرافي للأمن القومي المصري المباشر والذي قد يتطلب استخدام القوة العسكرية للدفاع عن مصالح مصر العليا، فإن النطاق الجغرافي ما بعد المباشر في بقية المشرق العربي والخليج وشمال أفريقيا والعمق الأفريقي يحدد مناطق الاهتمام الدبلوماسي والسياسي والتأثير المصري من خلال التعاون المشترك والتبادل التجاري والقوة الناعمة المصرية. ما بعد الجوار المباشر وغير المباشر فإن الحركة المصرية تقوم على التعامل مع إقليم الشرق الأوسط بالنظام العالمي من خلال السياسات الخارجية الحاذقة تعمل على حماية المصالح المصرية العليا في الحفاظ على توازنات القوى إقليميًا ودوليًا، والاستفادة من التعاون الدولي لاستقدام فرص اقتصادية وتكنولوجية مفيدة للعلمية التنموية المصرية».

وقال: «العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين لا كان رحيمًا بالمنطقة العربية والشرق الأوسطية ولا كان رحيمًا بمصر، والتطورات التي جرت في السودان والجزائر عامي 2018 و2019 أوشت بأن الموجة التي بدأت منذ سنوات لم تنته بعد، ولكن ما جرى أعطى درسًا أن بقاء الأوضاع التي كانت خلال العقود الماضي لم يعد ممكنًا استمرارها، ودرسا آخر أن لم يعد ممكنًا تأجيل التنمية أكثر مما حدث وإلا فأن الأمة مع كل تأجيل سوف تدفع الثمن مضاعفًا، ودرسًا ثالثًا هو أن الدول الفاشلة وتلك التي في طريقها إلى الفشل بعضها، بل وكثير منها، راجع إلى التطرف والإرهاب، وبعضه الثالث راجع إلى خلل في توازنات القوى جعلت قوى إقليمية ودولية تتدافع في حروب ممكن أن تعرف متى تبدأ لكن التجربة تقول لا أحدًا يعرف متى تنتهي».

أضاف: «مصر اخترات طريقها بعد 30 يونيو 2013 عبر خريطة طريق سياسية وأمنية ومسار اقتصادي واجتماعي شاق وصعب، ههذه المسيرة تقوم على عدد من المحركات التي تمثلت في رؤية مصر 2030، والمحرك الأول يشكل فلسفة العمل المصري في الكمون الاستراتيجي الذي لا يعني السلبية ولا التراجع ولا يعني عدم احترام تعهدات مصر الدولية، وإنما يعني أمران: أولهما أن الهدف الرئيسي للدولة هو التنمية والنمو إلى آفاق لم تعرفها مصر لكن تعرفها جيدًا الدول التي سبقتنا إلى التقدم والاستدامة، وثانيهما أن مصر لا تذهب في سياستها الخارجية بعيدًا عن حدودها والأهم بعيدًا عن قدراتها القادرة على تعبئتها، سواء أكانت القوة الخشنة أو الناعمة».

تابع: «المحرك الثاني تغيير الخريطة المصرية، أو الجغرافية التنموية المصرية، من التمحور حول النيل إلى البحار الواسعة ماء وضفافا المحيطة بالدولة، هذا الانتقال من النهر إلى البحر هو خلق للبراح اللازم للتعامل مع عشرات الملايين من المصريين، والتعامل مع موارد إضافية لم يعد النهر الخالد قادرًا على مدّ مصر بها، مثل هذا الحراك يفرض وجود ثقافات للعمل والإنتاج والتعلم بين المصريين وبينهم والآخرين تختلف عما تعودت مصر على لآلاف السنين، والعمران المصري لا يمكنه البقاء في 7% من مساحة مصر، إنما عليه أن يمتد ليتجاوز ذلك بمسافات شاسعة».

أردف: «المحرك الثالث هو أن اختراق الأراض المصرية من سيناء إلى الصحراء الغربية، وهو ما يجري بإقامة المدن الجديدة وأنفاق قناة السويس والطرق لربط البلاد بعضها ببعض. والمحرك الرابع هو إدارة الثروة وليس إدارة الفقر، لقد درجت الدولة المصرية في سياساتها الاقتصادية على محاولة تنمية الفقراء وتأمين الطعام والتعليم المجاني، حتى نضبت قدرة الدولة على القيام بذلك وتزايد عدد الفقراء واشتد فقرهم، تلك كانت تجربة مصر، أما تجربة الدول النامية الأخرى فكانت الاشتراك في البنى الأساسية والرأسمال، وأن تبحث عن الثروة في تعظيم مزاياها التنافسية إزاء العالم الخارجي في السلع والخدمات والتكنولوجيا».

أكمل: «المحرك الخامس يقوم على ما جرى اكتشافه في جميع الدول التي كانت نامية وتقدمت، فنجد أنها توقفت عن سياسات الإحلال محل الوارادت، واندفعت تجاه المحرك الخامس وهو التنمية من أجل التصدير، وكانت النتيجة ما نشاهده الآن في الصين والولايات المتحدة وقبلها اليابان وكل النمور والفهود الآسيوية والدول الأوروبية. المحرك السادس يقوم على أن المحركات الخمس السابقة ذات طبيعة مادية، لها علاقة بتعبئة الموارد وعناصر القوة، لكن المحركات الخمس التالية تقوم على الاستخدام الأمثل لهذه المحركات، وهكذا فإن المحرك السادس يضم الحزمة التي تضمنها الرئيس عبدالفتاح السيسي في الفترة الثانية، وجميعهم يصبون من زوايا مختلفة في الحداثة، ليس فيما يتعلق ببناء الدولة الحديثة والمجتمع العصري، وإنما من خلال التفكير الحداثي والمعاصر في النظرة إلى الإنسان والآخر والجمال والابتكار، وهي ببساطة كل ما يدفع في اتجاه الخير ومنفعة الوطن».

واصل: «المحرك السابع هو القيام بثورة تشريعية كبرى، فواحد من أهم معوقات التنمية المصرية في العقود الماضية كان كثرة التشريعات والقوانين واللوائح التي تعدت عشرات الألوف وتناقضها وعرقلتها للاستثمار وحاجتها المستمرة إلى نظام إداري معقد ومزدحم يكون مصالح خاصة كثيرًا ما تكون متعارضة مع مصالح الدولة، تغيير ذلك ممكن من خلال اتباع القواعد الدولية المتعارف عليها في الدول المتقدمة».

زاد بالقول: «المحرك الثامن هو أحد الأعمدة الهامة للسير في اتجاه الحداثة، وهو تجديد الفكر الديني، الذي بات وحدًا من أهم ملامح عهد ما بعد 30 يونيو، حيث لم يحدث ما يماثلها منذ ثورة 1952، وفيما قبلها كانت هناك معارك ثقافية حول كتب كاولت للمحاولة، لكن الواقع كان يقود إلى الكثير من السلفية وفكر الإخوان المسلمبن».

مضى قائلًا: «المحرك التاسع هو نتيجة منطقية للفكر الحداثي الذي يؤدي إلى قدرة المجتمع على احتواء ومشاركة جميع الجماعات الموجودة فيه سياسيًا وفكريًا. والمحرك العاشر يعيد تركيب الخريطة الإدارية المصرية من جديد، فإذا كانت مصر سوف تنتشر من النهر إلى البحر وتخترق مساحاتها الشاسعة بحيث تتصاعد حجم المساحة المأهولة سكانيًا منها، فإن الخريطة الحالية للمحافظات المصرية الحالية لن تكون مناسبة، والأهم من ذلك فإن علاقتها الراهنة بالسلطة المركزية لم تعد قادرة على مسايرة الأهداف الطموحة للتنمية المصرية».

اختتم: «نتيجة ذلك كله أن محرك اللامركزية والحكم المحلي بات ضرورة لتنفيذ حركة الاستثمار وتعبئة الموارد المحلية والقومية. والمحركات العشرة المذكورة مستقاة من الواقع المصري، لكن هذا الواقع يواجه أيضًا تحديات صعبة، فلازال الإرهاب قائمًا، ورغم تراجعه إلى مستوى الجريمة المنظمة فإنه لا يزال مؤثرًا على عمل المحركات الأخرى، ولا يقل عن الإرهاب خطورة الزيادة السكانية، ربما كأهم المحركات المضادة للحركة في اتجاه التقدم، والتي عوقت مصر في الماضي، والأرجح أنها ستعوقها في المستقبل، إذا بقي الحال على ما هو عليه».

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا