أخبار العالم / صحف مصر / الدستور

«سباحة الرُضّع».. أطفال تحولت أحلامهم إلى مأساة تحت الماء

  • 1/4
  • 2/4
  • 3/4
  • 4/4

يختنق بشدة ويضرب الماء بقدميه الصغيريتن لينجو، صراخه مكتومًا بسبب المياه المحيطة به من كل جانب، والتي ابتلع كميات كبيرة منها رغمًا عنه، همدت حركته شيئًا فشيئًا، أغلق عينيه بدأ جسده يسقط في القاع، كل ما حوله يشي بأن النهاية حانت.

بضع ثوان أنقذت «مؤمن» 6 أشهر من شفا الموت، كادت أن تذهب معه أحلام والدته في أن يصبح سبّاح ماهر، بعدما الحقته في أحد أكاديميات تعليم سباحة حديثي الولادة في منطقة البدرشين التابعة لمحافظة الجيزة، بعدما سمعت عن ما يسمي بـ«سباحة الرُضع فى مصر».

بعد هذا الحادث، ظل "مؤمن" يعاني لشهرين كاملين من ضيق في التنفس، والدته طافت به على أطباء كثيرين والذين فسروا الحالة بأنها مسألة وقتية حتى ينتظم تنفسه مرة أخرى (بحسب تقارير طبية حصلنا عليها).

«كان خطأ عمري، بعدما كدت أن أفقد حياة ابني»، تستعيد «نجوى» 38 عامًا، تلك التجربة المريرة، التي بدأت بمشاهدتها لإعلان عن مكان يدعى «أكاديمية البدرشين» لتعليم سباحة الرضع سن 6 أشهر حتى ثلاثة أعوام.

لم تكن تعلم أن في مصر رياضة سباحة للأطفال حديثي الولادة، فبادرت بالسؤال عن تفاصيل ذلك التدريب عبر رقم الهاتف المرفق مع الإعلان. كانت التفاصيل عادية بحسب وصفها، فأكدوا لها أن المدربين خبراء في ذلك المجال، ويقومون بتدريب الطفل في سن الرضاعة حتى يتأهل لبطولات عالمية بمرور السنوات.

قدمت السيدة لطفلها «مؤمن» الذي تم شهره السادس ببعضة أيام، ولم يتطلب الأمر سوى بطاقتها ومبلغ 350 جنيهًا نظير التدريب الشهري، والذي كان لمدة 6 أيام في الإسبوع لمدة ثلاث ساعات يومية.

تعود السيدة بذاكرتها إلى تلك اللحظات المروعة التي عاشتها، في الإسبوع الثالث من التدريب، حين كان طفلها في المسبح برفقة المدرب الوحيد ومساعدته ومعه أربعة أطفال آخرين يدربهم بالتناوب.

تقول: «كان يحمل أحدهم في المياه ويضع الصغار على طرف المسبح، ترعاهم المساعدة الخاصة به، لكن لم يكن هناك مكان مخصص لهم أو سياج يحميهم، وعلى غفلة منه سقط زياد دون أن يشعر أحد».

المدرب كان في آخر المسبح و«مؤمن» سقط في مكان بعيدًا عنه، وأماكن جلوس الأمهات بعيدة أيضًا، «نجوى» تصف ما حدث وقتها، بإنها لم تلحظ سقوطه في وقتها، وحين انتبهت ظلت تصرخ وتسرع نحوه، حتى فزع الأطفال وانتبه المدرب وما أن وصل إليه كان أغمى عليه، وأصيب باختناق، وقام المدرب بإسعافات أولية له، حتى نقل إلى مستشفى البدرشين العام.

«نجوى» هي واحدة ضمن آمهات آخريات، رغبوا في إعداد صغارهن ليكونوا أبطال في رياضة السباحة، إلا أن شاهدوا بأعينهم لحظات كادوا أن يفقدوا فيها ابنائهم، بسبب وجود أكاديميات تعليم السباحة للرضع، غير مؤهلة ولا تطبق عوامل الآمان، إذ انتشرت تلك الرياضة في مصر منذ عامين تقريبًا.

أكاديمية غير مؤهلة
تقول نجوى: «الأكاديمية لم تكن مؤهلة لتلك الرياضة الخطيرة، كذلك المدربين، فعدد الأطفال كثير وعدد من يدربهم قليل، فكان يضطر إلى وضعهم على سور المسبح واحد يلو الآخر بدون سياج أو حاجز، فضلًا عن تشتت انتباه بينهم، إلى جانب عدم وجود سيارة إسعاف، واكتفاء الأكاديمية بالإسعافات الأولية فقط».

بعد تلك الواقعة التي انتشرت في المدينة بحسب رواية «نجوى»، أغلقت الأكاديمية، ولم تكرر السيدة التجربة في أي أكاديمية أخرى، نتيجة الخوف والفزع الذي تعرضت له في تلك الواقعة.

غرق رضيع
ومن قصة «زياد» إلى «منى»، السيدة التى بكت بشدة بعدما مات رضيعها غرقًا في مسبح نادي الجيزة، أثناء تعلم السباحة، الواقعة كانت خلال عام 2017، حينها انتشر مقطع فيديو على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، لسيدة تبكي وهى جالسة على الأرض بعد فقدانها لطفلها الرضيع 10 أشهر.

تلك المرة لم تكن أكاديمية مخصصة لتعليم سباحة الرضع، لكن كان ناديًا، فبحسب المنشور على صفحتها، فإنها لديها طفلين، إحداهم يبلغ من العمر 11 عامًا، وكان ملتحقًا برياضة السباحة في ذلك النادي، والثاني رضيعًا لا يتعد عمره 10 أشهر.

قام مدرب السباحة بتخصيص يومًا لتعليم الأطفال الرضع في نفس المسبح بمساحته بالغة الطول والعرض، وبالفعل الحقت ابنها الرضيغ برفقة عدد من السيدات الأخريات، وأثناء التدريب لاحظت اختفاء ابنها من المسبح، ولم تنتبه إلا على أصوات صراخ وجسد طفلها يطفو على سطح الماء.

عوامل الآمان بأكاديميات سباحة الرضع
فيديو مُدته دقائق معدودة، لرضيع يُمارس تمرينات أولّية في رياضة السباحة، كان الطريق الذي حولّ الكابتن "محمد فوده" مدرب حديثي الولادة، من مدرب سباحة مُعتاد إلى متخص في تدريب الرضع، أو "كابتن العيال" كما يسمونه،بعدما انتشر على صفحات السوشيال ميديا بقوة، ولاقى ردود فعل مختلفة ما بين مُتعجب من صغر سن الرضيع، وآخرون مرحبون بتلك الرياضة الحديثة في مصر.

"بدايتي كانت مع رضيع داخل المسبحقمت بتصويره وأنا أعلمه بعض التمارين، فانتشر الفيديو سريعًا وشاهده ما يقرب من 4 مليون"، "فوده"كان يخشى في البداية من عدم تقبل العامة لتلك الرياضة غير المعتادة في مصر، لكن إصراره على الوصول بأول رضيع قام بتدريبه من مرحلة التعلم إلى السباحة جعل الفكرة تأخذ انتشار أوسع، ويتقبل كثيرون.  

        
أول مدرب سباحة الرضع في مصر، يقول أن هناك عوامل ومحاذير لا بد أن ينتبه لها ذوي الرضيع قبل إلحاقه بتلك الرياضة، مشيرًا إلى أن مواصفات المكان الجيد لممارسة سباحة حديثي الولادة، أن يكون المسبح مغطى، ونسبة الكلور فيه مناسبة لجلد الطفل وعينه، وبه أجهزة تدفئة.

وبحسب "فوده" فلا بد أن يكون المسبح مخصص لحديثي الولادة فقط، وليس سباحة الأطفال أو الكبار في العموم، مرجعًا ذلك إلى أن كثرة استخدامه تؤدي إلى تلوث المياه.

"إذ كان المسبح يرتاده 100 طفلًا على سبيل المثال في اليوم، فإن 70% منهم يتبول داخله، فيتفاعل ذلك مع الكلور الموجود بالمياه وتؤثر على عين الطفل، وقد تؤدي إلى تورمها لأكثر من 45 يومًا" يقولها المدرب.

أعداد الأطفال في المسبح الواحد لا بد أن تتراوح من 5 إلى8 فقط، وفقًا لـ"فوده" الذي أوضح أن كل طفل يكون معه مدرب خاص أو وليّ أمره داخل المسبح ولا يفارقه حفاظًا عليه.

وعن تأهيل مدربي سباحة الرضع، يشدد أنه لا بد أن يكون حاصلًا على دورة تدريبية في روسيا أو ألمانيا تؤهله للتعامل مع الرضع في المسبح تحت إشراف مدربين من الخارج معتمدين من الاتحاد الروسي للسباحة لعدم وجود تلك الدورات في مصر.

يضيف: "مدرب السباحة لا بد أن يُشبه طبيب حديثي الولادة، فلا يكتفي بدراسة أساسيات السباحة فقط، ولكن يكون مُلم بكل المعلومات الكافية للطفل في هذا السن، الذي لا يحتمل التجربة بمناعة لا تتعدى نسبتها 1%".

مخاطر عدم تأهيل المدربين يراها "فوده" في الحركات التي يقوم بها المدرب مع الطفل، والتي من الممكن أن تأذيه أن لم يكن مؤهل بشكل كافي لتعامل معه، مشددًا على ضرورة أن يكون حاصلًا على دورة إسعافات أولية يستطيع بها التعامل مع كل ما يتعرض له الطفل أثناء التمرين.

لا يقبل "فوده" تدريب أطفال رضع بدون عمل كشف طبي كامل قبل بداية التمرينات، حتى يتأكد من انتظام التنفس، وإذا كانت ولادته طبيعية أم قيصرية، والوزن، وأسباب دخوله حضانة عقب الولادة، فمن الممكن - وفقًا لتأكيده- أن يكون الطفل مصاب بمرض كالجدري أو التهاب الأذن أو التهاب الشعب الهوائية وهي أمراض تمنعه من ممارسة تلك الرياضة حتى يتم شفاؤه.

يرى مدرب الرضع، أن الطفل الطبيعي يستطيع نزول المسبح بعد 24 ساعة من ولادته، فيستطيع بسبب ميزة رد الفعل التي منحها الله له، تحريك أطرافه بسهولة في الماء، والتحكم في التنفس، لكونه ظل في بيئة مائية فترة طويلة قبل ولادته، فلا توجد خطورة عليه في ممارسة السباحة مبكرًا.

هل سباحة الرضع آمنة؟
فى السياق ذاته، يرى الدكتور علي عمرو، استشاري طب الأطفال وحديثي الولادة، أن السباحة من أهم الرياضات التي من الممكن أن يمارسها الطفل وحديث الولادة، لكونها ذات فوائد متعددة للرضيع في هذا السن.

يقول عمرو: «تقوي عضلات الرضيع، فأول ما يفعله بمجرد أن يلامس المياه، يضرب بقدمه ويديه بقوة كرد فعل طبيعي، وبالتالي فهو يحرك كل أجزاء جسده دفعة واحدة، ما يساعده على تقويه عضلاته».

«الطفل يكون أكثر نشاطًا في ذلك السن» بحسب الدكتور علي، الذي أوضح أنه يقوم بحركات لا إرادية تشبه السباحة بمجرد لمسه للماء وذلك يساعده على تعلم السباحة بشكل أسرع.

وعن خطورة تلك الرياضة على الرضع، يؤكد استشاري طب الأطفال لأنه لا خطورة على الطفل في ممارسة تلك الرياضة ولكن لا بد أن تكون برفقة مدربين مؤهلين، وعلى علم جيد بقدرات الطفل في ذلك السن الصغير، وبعلوم طب حديثي الولادة وليس السباحة فقط.

يضيف: «الطفل في هذا السن يتعلم السباحة سريعًا، لكونه عاش 9 أشهر في رحم أمه في الماء، فيكون لديه قدرة على السباحة لكن إذ مرت السنوات دون تمرين ينساها، وكذلك فتدريبه عقب ولادته يوسع رئته وانتظام النفس لديه».

السن المناسب للسباحة
فريق من الخبراء البريطانيين من معهد «غريفيث لبحوث تعلم الطفل»، قاموا بدراسة طبقت على عدد من الرضع الذين مارسوا رياضة السباحة فور ولادتهم، خلصت إلى أن الأطفال اكتسبوا العديد من المهارات قبل أقرانهم ممن لم يمارسوا تلك الرياضة.

ولخصت الدراسة فوائد السباحة للرضع فيما يلي: «المساعدة في إبعاد خطر الإصابة بأمراض القلب المختلفة، تحسن دورته الدموية، تحسن وتقوية الرئة وقدرتها ووظائفها، جعل العضلات أكثر قوة، زيادة قدرة الطفل على التحمل والصبر والتحكم والسيطرة في النفس، التخلص من الوزن الزائد».

الباحث «روبين جورجنسن» أحد أعضاء ذلك الفريق الطبي، في مقابلة له مع «روسيا اليوم» قال أن الكثير من هذه المهارات ساعدت الأطفال في الانتقال لمرحلة التعلم فيما قبل المدرسة.

على النقيض، كان هناك تحذيرًا قويًا من الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، من تبكير دروس السباحة للرضع، ونصحت خلال مطلع العام الحالي، بعدم إعطاء الرضيع أي دروس سباحة إلا بعد سن الرابعة بسبب خطورتها عليه.

الأكاديمية الأمريكية استندت في اعترضها العلمي بشأن سباحة الأطفال، على أن فكرة تعليم الطفل مهارات الأمان صعبة في العمر الصغير، وأن أمان الطفل معرض للخطر، لاسيما أن كان المدرب أو المكان غير مؤهلين بشكل كافي لذلك.

وأضافت في دراسة لها: «أول أمر يتعلمه الطفل هو العودة إلى حافة الحوض، فكيف يفعل وهو لم يمتلك أيّ مهارات بعد؟، وكيف يتعلم في سن قبل الثالثة أن يؤمّن نفسه؟».

ووضعت الأكاديمية ثلاثة قواعد وصفتها بالهامة من أجل ممارسة تلك الرياضة لحديثي الولادة، وهي عدم ترك الطفل يسبح بمفرده، أي لا بد من وجود الشخص البالغ بالقرب من الطفل أثناء السباحة.

القاعدة الثانية هي إيلاء الطفل الانتباه الشديد وعدم الانشغال بكتاب أو بالهاتف، وأخيرًا مراقبة الأطفال الأكبر سنًا والذين يعدون سباحين بارعين، من خلال الإشراف الشخصي عليهم، أو على الأقل ضمان وجود الأصدقاء المتمكنين من السباحة بشكل مؤكد حولهم.

وأوضحت أكاديمية الأطفال أن الذين يقومون بمهمة الإشراف على الأطفال أثناء السباحة يجب أن يكونوا على معرفة بعملية الإنعاش القلبي في حال تطلب الأمر ذلك، فالطفل يفقد وعيه خلال نصف دقيقة.

راسلنا فى "الدستور" "جوليا يول" استشاري الرضاعة في المؤسسة الوطنية للولادة البريطانية وهى مؤسسة خيرية غير حكومية تقدم الدعم أثناء الحمل والولادة، فكانت ترى أن الرضيع يمكنه ممارسة السباحة في أي وقت فور ولادته، لكن في مسابح خاصة ومؤهلة تستخدم الكلور لتنظيف المياه.

تقول: "كل الرضع باستثناء المريض أو ذو الخلل الجسدي، يستطيع السباحة بطرق أساسية فطرية، وتكون حركاته وقتها طبيعية قد ينساها مع مرور السنوات، في حال الانتظار شهور حتى ينمو".

"يول" تؤكد أن الرضع الذين بدأوا ممارسة السباحة في سن صغير، أثبتوا في دول أوروبا أن أدائهم يكون أفضل بكثير ممن بدأوها متأخرًا بعد وصول أعمارهم إلى ثلاث سنوات وأكثر.

متى بدأت؟
الظهور الأول لرياضة الرضع في الدول الأوروبية كان تحديدًا في روسيا وألمانيا، وانطقلت بعد ذلك إلى الدول العربية، في أكاديميات خاصة ونوادي حكومية، مثل نوادي دبي التي يتم فيها تدريب الرضع على السباحة منذ أشهر ولادتهم الأولى.

منها نادي "أكتيف سبورت الأكاديمي"، والذي يقوم بتدريب الرضع على السباحة في سن 4 أشهر، بأسلوب مبتكر يتفادى الصدمة، بحسب الموقع الإلكتروني للنادي على الإنترنت.

لا يتدرب الرضع فيها على السباحة فقط، ولكن القفز بطريقة أولية في المسبح فور سماع نغمة معينة، في وقت يكون فيه المدرب ووالد الطفل داخل المسبح فيتعلم تدريجيًا ضرب المياه بقدميه حتى يصل إلى والديه، لمسافة قصيرة، وانتشرت أيضًا تلك الرياضة في السويد والدنمارك والنرويج وفنلندا.

عنف وتمارين خاطئة
تجربة أخرى مريرة كما تصفها «عزة» 35 عامًا، ربة منزل، لأحد أكاديميات سباحة الرضع -تحفظت على ذكر اسمها-، والتي الحقت بها طفلتها في شهرها السابع، ولاقت فيها عذاب نفسي لعدم تأهيل المكان للتعامل مع الأطفال في مثل هذا السن وفقًا لها.

«الأطفال كانت تبكي بشدة»، ذلك ما لاحظته السيدة في اليوم الأول من التدريب، فلا يكفون جميعهم عن البكاء منذ بدايته حتى نهايته، وكانت المدربة ترجع ذلك إلى صغر سنهم، مضيفة: «أنا والآمهات الأخريات كنّا نراها تتعامل بعنف مع الأطفال أثناء تحريكهم تحت الماء».

أصيبت طفلتها في أحد المرات أثناء التمرين بكدمة في يدها اليسرى، إلى جانب بكائها المستمر طوال الوقت ورهبتها من التمرين، تقول: «من وقتها امتنعت عن الحضور وظلت طفلتي تتعالج جسديًا ونفسي لمدة شهرين، بعدما كانت تستيقظ مفزوعة من شدة الألم النفسي».

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا