الارشيف / الرياضة / الشرق الاوسط

صيحات الاستهجان ما بين التعبير عن الغضب والضغط على الأندية

  • 1/2
  • 2/2

جماهير آرسنال انقلبت على لاعبيها في الشوط الأول أمام وستهام ثم غنت لهم بعد نهاية المباراة

يبدو أن موسم صيحات الاستهجان يأتي كل عام مبكراً عن العام السابق له. ويبدو أن أحلام الانتصارات والإنجازات لبعض الفرق الكبيرة ولت لتحل محلها أيام طويلة من الشتاء القارس وأصوات الغضب واليأس.

لقد باتت معظم جماهير أندية بطولة الدوري الممتاز تعبر عن غضبها بهذه الصيحات الساخطة، لكن المباراة بين وستهام يونايتد وآرسنال الاثنين الماضي، قدمت لنا مثالاً خاصاً لهذه الصيحات. في منتصف وقت المباراة، ومع تقدم وستهام يونايتد بنتيجة 1 - 0 وعدم تحقيق آرسنال فوزاً بالدوري منذ بداية أكتوبر (تشرين الأول)، أطلقت جماهير المدفعجية القادمة من مناطق بعيدة العنان لغضبها بصيحات رجت جانب الملعب الأولمبي، ومع انتهاء المباراة، كان آرسنال قد نجح في قلب نتيجة المباراة رأساً على عقب بتسجيله ثلاثة أهداف، بينما وقف وستهام يونايتد على مسافة نقطة واحدة عن منطقة الهبوط. وهنا، كانت صيحات الغضب صادرة عن مدرجات الجماهير صاحبة الأرض.

ما الذي تأمل الجماهير في تحقيقه عندما تطلق صيحات الغضب والاستهجان ضد فريقها؟ يرتبط هذا السؤال بلب الآفة التي تعانيها الجماهير الرياضية الحديثة، خاصة التي تدفع أموالاً مقابل نيل فرصة مشاهدة فريقها. وترتبط الإجابة بمشاعر الإحباط وخيبة الأمل، لكنها لا تقتصر على ذلك، فهي أمر أكثر ضبابية، بل وربما تناقضاً عن ذلك.

دعونا نبدأ بالنظر إلى السبب الأكثر مباشرة وضوح لتوجيه صيحات الغضب باتجاه اللاعبين الذين يفترض أنك تشجعهم: أنك تأمل من وراء ذلك أن تدفعهم نحو تحسين أدائهم. ومن المفترض أن تنقل هذه الصيحات إلى الفريق الذي لا يقدم الأداء المأمول رسالة واضحة بأن أداءه غير مقبول وإقناعه بضرورة تقديم أداء أفضل... أليس كذلك؟. «هذا أمر غير واضح» - كانت هذه إجابة الطبيبة النفسية المتخصصة بالمجال الرياضي، جوزفين بيري، والتي أضافت: «يعتمد ذلك على العقلية والسمات الشخصية. قد يستخدم بعض الرياضيين صيحات الاستهجان ضدهم كوقود لإطلاق العنان لطاقاتهم الكامنة. وربما يستغلون هذه الصيحات كمحفز لهم كي يثبتوا للجماهير الثائرة ضدهم خطأ موقفها، الأمر الذي قد يكون مفيداً. أما فيما يخص آخرين، أولئك الذين يشعرون بالقلق تجاه مكانهم بالفريق أو يحبون إرضاء الجماهير، فإن سماع صيحات الاستهجان قد يقضي على تركيزهم بالكامل».

واستطردت بيري موضحة أنه حتى أفراد الفريق الأول الذي يسعى لإثبات خطأ الجماهير، فإنه ليس بإمكانه الحفاظ على هذا الحافز بداخله إلى الأبد. وقالت: «غالبية الرياضيين أصحاب شخصيات متفردة، وهذا منطقي لأنه لا يمكن أن تصبح من النخبة إذا كنت تشبه الباقين منا. ومع هذا، فإنه كبشر من الصعب للغاية أن تجد في كل مرة تنزل أرض الملعب توضح الجماهير لك أنها لا تحبك».

ولذلك، إذا كنت تأمل في دفع فريقك نحو تحسين أدائه، فإن إطلاق صيحات الاستنكار ليس السبيل الفاعل لتحقيق ذلك. علاوة على هذا، فإن هذه الصيحات تحمل رسائل عامة للغاية لدرجة مثيرة للارتباك، فحتى إذا أدرك اللاعبون أو المدرب رسالة أن هناك ما يتعين تغييره، فما هو هذا الشيء؟ عندما وجد غرانيت تشاكا لاعب آرسنال نفسه محاصرا من كل جانب بصيحات الاستهجان عندما جرى الدفع بلاعب بديل له أمام كريستال بالاس في أكتوبر (تشرين الأول)، هل كان ذلك لأسباب تتعلق بأدائه أم بأداء الفريق أو رد فعله الغاضب على تعرضه لصيحات الاستهجان في المقام الأول؟.

الواضح أن الصيحات لها مخرجات فوضوية، وكذلك مدخلات فوضوية أيضاً. من بين التفسيرات المباشرة الأخرى لهذه الصيحات، والتي عادة ما تستخدم كمبرر، أن الجماهير دفعوا كثيراً من المال لمشاهدة المباراة وبالتالي لن يبقوا ساكنين إذا شعروا بأنهم تعرضوا للخداع. وتشير هذه الحجة إلى أنه فيما مضى، ربما كانت الجماهير لتلتزم الصمت، لكن طبيعة كرة القدم المعاصرة تجعلهم يشعرون بأنهم ليسوا جزءاً من التجربة الجماعية التي يخوضها النادي، وإنما أقرب إلى عملاء. ومن الطبيعي أن يشكو العملاء عندما لا يحصلون على ما يرغبونه. وتبدو هذه الحجة مقنعة حتى تبدأ في التساؤل حول ما هذا الذي يرغبه الناس.

نشر تيم ستيلمان، المدون البارز وأحد كبار مشجعي آرسنال، مقالا طويلا ومثيرا للاهتمام في أعقاب حادثة تشاكا، حاول خلاله تحليل مشاعره حيال الأمر. وكتب ستيلمان أنه رغم اعتراضه على إطلاق صيحات الاستهجان ضد أي من لاعبي آرسنال، فإن الحصار الذي تعرض له اللاعب «نجح» لأنه دفع المدرب لطرح آخر بدلاً منه. وأضاف ستيلمان أنه رغم معارضته لهذه الممارسة فإنه يدرك جيداً أن لكل مشجع «خطوطه الحمراء» التي إذا ما تم تجاوزها ينطلق في ثورة غضب صوتية.

ورغم أنك قد تعترض على فكرة أن سحب شارة الكابتن (من تشاكا) والدفع بلاعب آخر كبديل له يمثل نتيجة مرجوة، من المؤكد أن ستيلمان صائب تماماً في نظرية الخطوط الحمراء التي طرحها. نحن أيضاً من الرافضين لممارسة صيحات الاستهجان، ومع هذا فإننا عندما كنا حاضرين في مباراة وستهام يونايتد أمام نيوكاسل يونايتد الشهر الماضي وانقلبت جماهير الأول ضد فريقها بحلول نهاية الشوط الأول، وجدنا أنفسنا متعاطفين معها تماماً. كان وستهام مهزوماً بنتيجة 2 – 0، ومع ذلك كان الصادم أن لاعبيه لا يبذلون أدنى مجهود لتعويض الفارق.

واتضح أن غياب المجهود الخط الأحمر الخاص بنا. علاوة على ذلك، أنني عجزت عن رصد حجم التغيير الذي حاول لاعبو وستهام يونايتد إدخاله على أسلوب أدائهم. ولم أدر ما إذا كانوا يحاولون لكنهم يفشلون، أم أنهم يحاولون توفير طاقتهم أو أنهم يتحركون تبعاً لتعليمات المدرب أو أنهم يشعرون بكسل بالغ. في الحقيقة لم أتوقف للتفكير في هذا الأمر كثيراً، لأن الغضب تملكني حينها وشعرت أن خطوطي الحمراء اخترقت.

ماذا لو أن صيحات الاستهجان لا تسعى لتحقيق هدف معين، وإنما مجرد تنفيس عن مشاعر بالداخل. تتحدث بيري من جانبها عما وصفته بـ«تأثير العدوى» حيث يطلق ناس صيحات استهجان لمجرد أن من حولهم يفعلون ذلك، وبالتالي يشعرون بضغط من أجل مسايرة الحشود. إلا أن هناك حجة أخرى على نفس القدر من الإقناع ترى أن كل صيحة استهجان أمر شخصي. وتبعاً لما يراه الفيلسوف جوليان باغيني، فإن ملاعب كرة القدم تستفز مشاعر السخط بداخلنا، بغض النظر عما يفعله الشخص المجاور لنا.

وقال: «إنها أشبه بالكرنفال، فجميع الثقافات لديها مساحات يتم بداخلها تجميد القواعد، والذهاب إلى الملعب يعطيك ما يشبه رخصة للتعبير عن المشاعر دونما تنقيح، وكأننا حصلنا على رخصة للتخلي عن السلوك اللائق. ويبدأ الناس العاديون في إطلاق أفظع الشتائم. هذه واحدة من المناسبات الاجتماعية القليلة التي يصبح خلالها من المقبول أن تعلن كراهيتك لشخص ما».

ومع هذا، تظل الجماهير تستقي توجهاتها من المجتمع. وهناك تزايد في الإساءات العنصرية التي تنطلق عبر أرجاء ملاعب كرة القدم. ويرى الكثيرون أن هذا نتيجة مباشرة لثقافة سياسية في مقدمتها «البريكست» سمحت لعودة مثل هذه الآراء إلى المقدمة.

بالتأكيد ليس كل سلوك به تجاوز كريها وممقوتا، وبالتأكيد صيحات الاستهجان ليست كذلك، لكن باغيني يرى أن انتشار صيحات الاستهجان ربما يقف وراءه أسباب اجتماعية، أيضاً. وقال: «أجد من المذهل عدد المرات التي كثيراً ما يكرر المشجعون خلال مقابلات تجري معهم حقيقة خالصة بقولهم: (نريد الفوز ببطولات). منذ فترة بعيدة، يشجع الناس أندية لم تفز في بطولات. وهناك 20 ناديا تشارك في بطولة الدوري الممتاز لن ينجح منها 19، لكن يبدو أن هناك تنافرا ما بين مشاعر الناس والواقع القائم على الأرض».

وأضاف: «هذا يتعلق بأمر يتعلق بثقافتنا العامة يثير قلقي: فهناك اعتقاد شائع بأنك لو آمنت بنفسك ستنجح، لكن الجانب السلبي في هذا الاعتقاد أن ما يحدث في الواقع ليس دائماً خطأك. وأصبح هذا الاعتقاد شائعاً اليوم، وهناك ميل أكبر نحو الاعتقاد بأن عدم النجاح أمر جدير بتوجيه اللوم».

وتبدو لي هذه الحجة مقنعة، ربما لأنها تتماشى مع اعتقادي أننا لم نتحول إلى مجتمع من المستهلكين فحسب، وإنما أصبحنا متحمسين للغاية تجاه هذا التغيير، ونستمتع عندما نجد أشياء نشكو بشأنها. وربما يكون هذا مجرد سبب من أسباب عدة وراء صيحات الاستهجان بالملاعب. إلا أنه مع تنامي ظاهرة إطلاق هذه الصيحات داخل الملاعب شيوعاً، يبدو أنها لا تخدم أحداً. وبغض النظر عن الأسباب، إطلاق صيحات الغضب بوجه فريقك لا يجدي.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا