مقالات / الشرق الاوسط

مدريد... لشبونة... الخرطوم والجزائر

شهدت السبعينات أهم مرحلة تحوّل سياسي في أوروبا، بوفاة أنطونيو سالازار في البرتغال بعد 36 عاماً من الحكم، والجنرال فرانكو في إسبانيا بعد 39 عاماً من السلطة. الأول 1970. الثاني 1975. اهتز البلدان في المرحلة الانتقالية، فقد كان الخوف الداهم آنذاك الشيوعية وتيارها السريع وشديد التوسع، خصوصاً في البرتغال.
استمرت مرحلة عدم الاستقرار في البلدين طوال سنوات إلى أن قدِّر لهما رجلا دولة من طرازٍ أول، هما ماريو سواريز في لشبونة، وأدولفو سواريز في مدريد، ولا صلة قربى بين الاثنين سوى الاسم والمقدرة والشجاعة الوطنية. المقلق في السودان والجزائر أن ما من «سواريز في الأفق». الخوف هنا بدل الشيوعية هو طبعاً قوى التشدّد في البلدين. وفي كليهما الجيش يملك الورقة الحاسمة، وليس القوى السياسية التقليدية كما في إسبانيا والبرتغال. والتجربة الجزائرية الدموية في حالات الفراغ في السلطة، لا يمكن أن ينساها أحد. ولئن كان الرئيس بوتفليقة الرجل الذي أنهى تلك المحنة الكبرى، فالخوف الآن من أن يتسبب خوضه المعركة الرئاسية، في خطر مشابه.
واضح أن الجيش الجزائري غير متفق فيما بينه على أمر الخلافة، ولذا، يفضل أن يخوض المعركة من وراء الرئيس. إلا أن الواضح أيضاً أن الحالة الإنسانية للرجل لا تخفى على مواطنيه ولا على الأسرة الدولية التي هي معنية جداً بالاستقرار السياسي في دولة بحجم وموقع الجزائر. السودان ليس أقل أهمية، إلا من حيث بُعده الجغرافي عن أوروبا، وأيضاً كونه لا يشكّل قوة كبرى في عالم الطاقة. وفي كل حال، الخوف واحد في البلدين وفي العالم، وهو أن يفتح الإصرار على الرئاسة، الباب أمام الفوضى والمجهول الصعب.
لعبت فرنسا جيسكار ديستان دوراً أساسياً في دعم ماريو سواريز في البرتغال على صد الشيوعيين. وهي هنا تحاول أن تقوم من بعيد، بدور في الجزائر، بسبب كونها معنيّة مباشرة بالوضع فيها. فالوضع الداخلي في الجزائر هو إلى حدٍ بعيدٍ، وضع داخلي في فرنسا، أمس واليوم وغداً. غير أن الدور الفرنسي المعقّد يبدو أيضاً عاجزاً ومرتبكاً. وتخاف باريس من التطورات بقدر ما تخافها العاصمة الجزائرية.
الحل في مثل هذه القضايا شديدة الخطورة، مرعبة المضاعفات، لا يأتي به الكتّاب أو الصحافيّون، أو أهل الخارج. لكن ما من حل ظاهر في الأفق سوى أن يقتنع العسكريون في الدولتين، بأن البلاد على شفا مرحلة انتقالية إلزامية. شيء من سوار الذهب في الخرطوم، وشيء من الأخضر الإبراهيمي في الجزائر. شيء من التواضع البشري، في الحالتين.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا