مقالات / الشرق الاوسط

انتقاء الكفاءات

مر في العالم العربي خبر مرور الكرام وهو اختيار رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي لوزير من سيرته الذاتية التي انتقاها من مئات المتقدمين للوظيفة عبر موقع رسمي في الإنترنت. وطُلب من المتقدمين كتابة ملخص لرؤيتهم حول «القيادة الناجحة» و«كيفية إدارة فرق العمل بصورة فعالة». وطرح «الحلول العملية» لبعض المشكلات التي يعتزمون حلها. جاء ذلك في محاولة من الرئيس للتغلب على النزاعات الحادة بين الكتل السياسية من أجل تشكيل حكومة ائتلافية فعالة. وأكاد أجزم أن هذا القرار لو أنه حدث في دولة أجنبية متقدمة لأقمنا الدنيا ولم نقعدها ولندبنا حظنا العاثر الذي لم يسعفنا ولو لمرة واحدة في تغيير آلية اختيار كبار القياديين.

وفِي الكويت بدأ توجه مهم، أعتبره كمتخصص في القيادة قرارا تاريخيا، عندما قررت البلاد تغيير آلية اختيار كبار المسؤولين في الدولة، الذين يتبوؤون مناصب مهمة مثل وكيل وزارة ووكيل مساعد وما شابه. ومن مال إلى تأييد هذا القرار أولئك الذين وجدوا فيه ما وضع حدا للضغوطات النيابية أو المحاباة الحكومية في تعيين أشخاص لاعتبارات اجتماعية أو انتخابية ولا يتحلون بالكفاءة المطلوبة.

ولذا تضمن القرار ضرورة أن يخضع المترشح للوظيفة القيادية لاختبار يقيس مجموعة من المهارات الإدارية، مثل المهارات التنظيمية، والقيادية، وإدارة الصراع. والصفات الشخصية كالمهارات الاجتماعية، والابتكارية والإبداعية والذهنية. كما يقيس الاختبار مدى إلمامه بقواعد الحوكمة ذات الصِلة بديوان المحاسبة تلك المؤسسة التي يخشاها «كل» المسؤولين لأن تقاريرها تتحول إلى معركة برلمانية - حكومية طاحنة. وتقيس الاختبارات - لأول مرة - مقدرة المسؤولين على التخطيط الاستراتيجي، ومهارات التفكير المنطقي، وحل المشكلات وصنع واتخاذ القرارات. ورغم ذلك كله إلا أنني لا أحبذ أن يختار القيادي بناء على اختبار من ورقة وقلم وننسى أمورا أخرى أهم كالمقابلة الممنهجة والتقصي عن حقيقة سيرته.

ما يهمني هنا الإشارة إلى أن منطقتنا متهمة بأنها غارقة في المحاباة nepotism، وأظهرت ذلك أبحاث رصينة عدة اطلعت عليها. ولأننا لا نحتاج لدراسات لتأكيد ما يجري حولنا من «وسطات» تضع الفرد المناسب في المكان «غير المناسب» إلا أننا صرنا في حاجة إلى آلية واضحة لتعيين كبار القياديين لا تستند فقط على الاختبارات بل تأخذ بعين الاعتبار أمورا أخرى تناسب طبيعة البلد. ولا ضير أن تكون الاختبارات جزءا بسيطا جدا لتنوير القيادي بنقاط قوته وعيوبه لكن آلية التعيين بالاختبارات يمكن أن نتركها مثلا لحديثي التخرج وذلك لأن أعدادهم هائلة ويصعب التفريق بينهم لعدم وجود خبرة عملية.

كما أن الاختبارات الحديثة تطورت وصارت تقيس مدى قابلية الفرد للاندماج في المؤسسة، ومدى ميله للتعلم والتطور، وأضحت تقيس بدقة مذهلة مهاراته ونقاط قوته. لكنها مثل غيرها من اختبارات القياديين لا يجب أن تكون «السبب الوحيد» في انتقاء أفضل الكوادر. فكبريات شركات العالم المليارية لا تختبر قيادييها.

ومن دون تطوير آلية انتقاء القياديين، سنجعل مؤسساتنا عرضة لرياح المحسوبية. ومن دون اختيار أفضل الكفاءات ستتكرر معاناتنا بترسيخ مفهوم عدم «وضع الشخص المناسب في المكان المناسب».

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا