مقالات / الشرق الاوسط

القمة العربية ـ الأوروبية الأولى

احتضنت جمهورية مصر العربية، أكبر الدول العربية من حيث عدد السكان، القمة العربية - الأوروبية على مدى يومين، بمشاركة 49 دولة؛ 21 دولة عربية و28 دولة أوروبية، وبحثت مجموعة قضايا مثل التجارة والاستثمار والهجرة ومكافحة الإرهاب وأزمات منطقة الشرق الأوسط. ولعل الشعار الذي انعقدت تحته هذه القمة «الاستثمار في الاستقرار» يعبر عن الاتجاه الجديد والمفصلي للمنطقة بعد موجة من الفوضى العارمة التي لحقت بكثير من الدول العربية.
القمة التي حضرها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وترأس خلالها وفد المملكة، والتي انطلقت الاثنين الماضي في مدينة شرم الشيخ بمحافظة جنوب سيناء، عقدت برئاسة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك، ولأول مرة يجتمع رؤساء دول وحكومات من كلا الجانبين (العربي والأوروبي)، وفي المقابل أكد الاتحاد الأوروبي أن هذه القمة تهدف إلى تعزيز العلاقات العربية - الأوروبية، وقد اشتملت على عدد من القضايا والتحديات المشتركة.
لا شك أن أهمية القمة كبيرة كونها تضم دولاً عدد سكانها يفوق 800 مليون وفيها إمكانات اقتصادية ضخمة، ويحسب ذلك الأمر بقوة أوروبا التي صنعت نفسها بنفسها عبر تاريخها واستراتيجيتها بمؤسساتها التمويلية الدولية في العالم من تجارة وتكنولوجيا وقوانين دولية، وهذا ما يمكن تعريفه بالشراكة مع أوروبا لإعادة بناء الدول التي تضررت والعمل على تعزيز التعاون لاستقرار الشرق الأوسط.
لذلك توقع كثير من الساسة تحقيق إصلاحات، وشراكة كبيرة بين المنطقتين العربية والأوروبية، لا سيما أن بينهم تاريخاً مشتركاً له أهمية من حيث القيمة التبادلية والأسس التي تقوم عليه من التبادل تتمثل في منفعتها الثقافية والاقتصادية والتجارية والسياسية، وبالتالي تخضع هذه القيمة التبادلية للقرب الجغرافي، والحاجة للاستقرار ووأد التطرف وإيجاد حلول للهجرة التي تخطت 250 مليون مهاجر من مجموع سكان العالم، حسب تقرير منظمة الهجرة الدولية في عام 2016. وتقدر نسبة المهاجرين غير الشرعيين بـ34 في المائة منهم في أوروبا غير الذين ابتلعتهم مياه البحر المتوسط.
من جهة أخرى، تبدو حاجة الأوروبيين لتنشيط اقتصاداتهم مطلباً اتفق عليه الجميع، وسوف ينتج عنه تحالفات تلتقي مع حاجة العرب للبناء وإعادة الإعمار والتنمية وخلق الاستقرار قبل كل شيء، فالأوروبيون اقتربوا من أولوية الأدوار، وأن يكون لهم دور منفصل عن الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وبناء إيجابي بعد الفراغ الذي تركه الأميركيون في المنطقة، ما خلق مزيداً من الفوضى ولا بد من ضبط الأمور، ونجاح هذه القمة سيكون بداية لنهج جديد بالمنطقة العربية تشجع كل القوى الكبرى على أن تتعاون للاستقرار خوفاً من ضياع فرص الاستثمار في الشرق الأوسط.
والآن يجدر بنا أن نتساءل عن عالم جديد شعاره «الاستثمار في الاستقرار» ليتحول خلسة إلى وسيلة سعادة يشعر بها الجميع ستؤدي إلى نموذجين مختلفين؛ أحدهما قوي والآخر ضعيف، حيث يعنى الأول بتحقيق سعادة الإنسان، أما الآخر فيبدو متأرجحاً، وينطبق على أهم محاور جدول أعمال القمة الذي يشمل الهجرة غير الشرعية، وتدفق اللاجئين إلى داخل أوروبا بحثاً عن الاستقرار والسعادة.
لهذا يجب أن يتسع مفهوم الأرض أو الوطن لدى الإنسان العربي، الذي يجب أن يحتفظ بخصوصيته، لا أن يقضي على ذاته في صناعة وطن آخر بهوية مضللة وهجرة محفوفة بالمخاطر على شواطئ مجهولة، بحثاً عن الاستقرار وهرباً من ضروب الهيمنة والتسلط والفقر، فلم تعد المجتمعات الحديثة هادئة بل باتت تعاني من الإرهاب الذي حذر منه الملك عبد الله، رحمه الله. فأوروبا التي إضافة إلى ارتباط جل دولها بأجنحة سياسية متزايدة في القوة ومتباعدة، وانقسام الأحزاب المتطرفة التي منها الحزب اليميني والحزب اليساري وما ينتج عن ذلك من عدم مواءمة لدى الكثير، وأعداد مختلفة من المهاجرين والمعارضين ضلوا الطريق وضلعوا في قضايا الإرهاب، ما يفرض طرح قضية «عملية السلام في الشرق الأوسط» على طاولة المناقشات بين القيادات العربية والأوروبية، إضافة إلى المسؤولية الكبرى التي تقع على عاتق كل من السعودية ومصر لحماية الأمن القومي العربي، والتي شدد عليها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز مع قضية فلسطين.
وبناء على ما تقدم من مؤشرات لنجاح القمة العربية - الأوروبية الأولى، فإن الكل يأمل في حل صعوبات الواقع المعيش، من خلال إيجاد صيغة تتناسب مع المقتضيات الراهنة، وهو الأمر الذي حبذه المشاركون بوجود جانب أوروبي رفيع المستوى. شارك إلى جانب دونالد توسك رئيس المجلس الأوروبي، وجان كلود يونكر رئيس المفوضية الأوروبية، وفيديريكا موغيريني الممثلة العليا للسياسة الخارجية والأمنية نائبة رئيس المفوضية الأوروبية، كثير من زعماء الدول الأوروبية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي؛ منهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس الروماني كلاوس يوهانس، الذي يتولى رئاسة الاتحاد حالياً، إضافة إلى ثلاث دول مثلت على مستوى وزاري، نظراً للتطورات الداخلية فيها.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا