مقالات / عكاظ

العدو كما نحب أن نراه

عندما هاجرت الكاتبة الروسية «إيان راند» إلى أمريكا بالحقبة السوفيتية ودخلت مجال الكتابة الأدبية والكتابة للسينما، وكانت باكورتها رواية «نحن الأحياء» تفاجأت بأن روايتها عن المجتمع السوفيتي رفضت بالإجماع من كل النقاد الأمريكيين والشركات السينمائية، بينما قبلت أعمال أخرى لها، لأنهم قالوا إن الصورة البائسة التي تصف بها واقع حياة الناس بالاتحاد السوفيتي لا يمكن أن تكون صحيحة، وحرفيا قالوا لها «الجمهور الأمريكي لا يمكن أن يتقبل هكذا تصوير للاتحاد السوفيتي»، مع العلم أن الأمريكيين كانوا يعيشون تحت رعب يومي من وقوع حرب نووية مع السوفيت، لكن الجمهور الأمريكي كان يحب أن يرى عدوه بصورته التي يظهر بها في الدعاية السياسية الأمريكية كعدو عظيم قوي، ويرفض أن يرى أن هذه الصورة غير حقيقية، وأن الناس بالاتحاد السوفيتي ضحايا ومهلهلون وليس هناك أي شيء عظيم بواقعهم، فلماذا يريد أي طرف أن يرى عدوه بصورة العظيم ويرفض تقبل أنه ليس كذلك؟! السبب هو ذاته الذي يجعل مما يتم الافتخار به قول شخص أنه صاد أسدا بينما لا يفتخر بصيد أرنب، فبالطبع لا أحد سيعتبر صيد أرنب إنجازا عظيما يستحق الافتخار به، لأن الأرنب ضعيف، ولهذا «غرور الأنا» يدفع الناس للمبالغة في تصوير قوة عدوهم لكي يشعروا بعظمة إضافية عند التمكن من العدو الذي كان عظيما ومجيدا لكنهم كانوا أعظم من ذلك العظيم تماما كصيد الأسد، وإن خسروا أمامه فعذرهم معهم؛ أنهم واجهوا خصما أسطوري العظمة، وواقعيا أثناء الحرب الباردة تم تضخيم قوة وخطر الاتحاد السوفيتي لصالح شركات صناعة السلاح الأمريكية، ولعلها من ألمع لحظات خدمة أمانة وظيفة الرئاسة عندما خصص الرئيس الأمريكي أيزنهاور خطابه الرئاسي الوداعي في نهاية فترته الرئاسية لموضوع غير مسبوق، حيث وبدل أن يعدد حسب المعتاد الإنجازات التي تحققت بفترة رئاسته خصص خطابه لتحذير الأمريكيين من خطورة تأثير ما أسماه «Military industrial complex- المجمع الصناعي الحربي»، لأنه سيسير رجال السلطة لتوريط بلادهم في حروب مستمرة لتستمر عجلة الإنتاج الحربي، والناس العاديون سيدفعون الثمن من دمائهم لتزيد أرباح شركات السلاح، مع العلم أن أيزنهاور كان جنرالا عسكريا، والعالم «فيرنر فون براون» الذي يلقب بأبو برنامج الصواريخ الأمريكية حذر من ذات الخطر وقضى النصف الأخير

من حياته بمحاولة تحذير الناس منه، وذكر نصا بأن شركات السلاح وبحضوره كانت تضع خططا لفبركة وتضخيم خطر بلدان وجماعات لكي تبيع المزيد من الأسلحة.

* كاتبة سعودية

bushra.sbe@gmail.com


اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا