مقالات / الشرق الاوسط

المجتمعات الثرية وقضية الفقر

ما الذي يعنيه الأمر أن تكون فقيراً؟ هناك في الوقت الحالي طريقتان أساسيتان لتحديد ماهية الفقر.
التعريف الأول يتعلق بالفقر المدقع. يحتاج البشر إلى الغذاء، والماء، والمأوى. فإن لم يكن يحتمل قيمة هذه الأشياء، فإن الحياة تكون بائسة للغاية. وفي أميركا،
فإن الفرد البالغ الذي يعيش على مبلغ 12.140 دولار أو أقل يعتبر من الفقراء اعتبارا من عام 2018. وبالنسبة للأسرة المكونة من 4 أفراد، يصل هذا المبلغ إلى 25.100 دولار. وهناك أيضاً مقياس الفقر التكميلي الذي لا يشتمل على الغذاء فحسب وإنما يضم الملابس، والمأوى، والمرافق. وبفضل المساعدات الحكومية، فإن الفقر في أميركا وفقاً لهذا المقياس انخفض خاصة بالنسبة للأطفال.
ويقول نقاد إرشادات الفقر لدى الحكومة الفيدرالية إن الأرقام المذكورة منخفضة للغاية، ويرجع ذلك إلى ارتفاع مستويات عدم المساواة. وعلاوة على ذلك، ومع تزايد ثراء البلاد، أصبح الجوع أقل شيوعاً عن ذي قبل، وبالتالي فإن استخدامه كمقياس للفقر أصبح أقل فائدة. وعند تعريف الطبقة المتوسطة من المجتمع بأنها التي تملك دجاجة وسيارة فإن مجرد وجود الدجاجة يبدو إشارة إلى عدم الوقوع في براثن الفقر بالأساس!
وهنا يأتي الحديث عن المقياس الثاني للفقر النسبي. يقول تعريف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إن كنت تكتسب أقل من نصف الدخل المتوسط، فأنت فقير. ووفقاً لهذا المقياس، فإن وضعية أميركا أسوأ بكثير من البلدان الثرية الأخرى.
غير أن هذا المقياس لا يبعث على الارتياح كذلك.
ولكن من حسن الطالع، أن هناك مفهوماً كهذا يُطلق عليه اسم «الأمن المادي». يعتقد عالم النفس أبراهام ماسلو أن السلامة تحتل المرتبة الثانية بعد الغذاء والمأوى باعتبارها من الاحتياجات الإنسانية الأساسية.
ونتصور امرأة عزباء تبلغ من العمر 55 عاماً ومصابة بمرض السكري وتعمل في وظيفة بدوام جزئي ويقترب راتبها من الحد الأدنى للأجور. وبفضل المساعدات الحكومية، فإن إجمالي دخلها السنوي يبلغ 15 ألف دولار. ولكنها إن فقدت الوظيفة أو تعرضت لطارئ صحي مفاجئ، فمن المحتمل للغاية أن تصبح بلا مأوى. وإيجازٌ للقول، فإن موقفها محفوف بالكثير من المخاطر.
هذا النوع من انعدام الأمن يسبب الإجهاد النفسي الشديد. وتوجد هذه الهشاشة المجتمعية على مختلف المستويات والأبعاد.
والتعريف المنطقي والمعقول للفقر ينبغي ألا يتضمن المقياس المجرد فقط للحرمان المادي والمقياس النسبي لحالة المواطن مقارنة ببقية أفراد المجتمع، بل ينبغي أن يسعى إلى قياس مدى إحساس المواطنين بالأمن - في المنازل، وفي صحتهم، وفي وظائفهم كذلك.
ومن شأن هذا المقياس الجديد أن يعكس أن الفقر في الولايات المتحدة هو أسوأ بكثير مما تشير إليه الإحصاءات الراهنة. غير أن الرؤية السليمة والدقيقة للمشكلة تعد هي الخطوة الأولى على مسار التصدي لها ومحاولها علاجها. والقضاء على الفقر ينبغي أن يكون على رأس الأولويات في أي مجتمع ثري.
* بالاتفاق مع بلومبرغ

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا